رغد الشمري
ما بعد انتهاء فترة العزاء، وجدت أن القلب ممتلئ بما لم يُقال، وأن العقل يكرر الأحداث والذكريات، فوجدت نفسي بحاجة للثرثرة ومشاركة ما يختلج في داخلي مع صديق. أؤمن أن هذه المرحلة مهمة، بل أعدّها أول أشكال العلاج: أن تجد صديقًا محبًا، مستمعًا، لا يحاول إصلاحك ولا يطالبك بالقوة، يترك لك المساحة لتقول كل شيء، تتحدث عن اللحظات الصغيرة، عن الابتسامة التي رحلت، وعن الأشياء التي تبدو بلا معنى الآن، وفي تلك الثرثرة، تكشف عن نفسك الحقيقية بعد الفقد: الخوف، الفراغ، وحتى الإنكار
وما بعد ذلك.
كما أن هناك الدعاء؛ كثرة الدعاء في هذه المرحلة أمر مهم جدًا، تناجي الله وتحدثه عن ما يثقل قلبك، وتشاهده بنفسك كيف يفتح الله عليك في تلك اللحظات، بطريقة لم تعتدها خلال الأيام الماضية.
وليس شرطًا أن يكون الدعاء في محرابك المعتاد، كثيرًا ما يكون أجمل بين مهام اليوم، أثناء التنقل أو في أي لحظة تهمسين بالدعوات، بينما داخلك ما زال ينزف ألمًا، تحرص على حضورك حلقة حفظ قرآن، تحفظ الآيات، ترددها، وتسمعها لمعلمك.
وأحيانًا ينتصر الشيطان، وأحيانًا تنتصر أنت؛ ليس كسلًا ولا ضعفًا في الإيمان، بل لأن الحزن أثقل من أن يُقاوم كل مرة.
ثم يأتي شيء خافت..
قبولٌ بطيء
قبولُ أن من رحل لن يعود، وأنك مع ذلك باق، تمشي، تتنفس، وتؤدي أمانة الحياة عنه وعنك.
وبين هذا وذاك:
- تتعلّم أن الفقد لا يُشفى، بل يُهذَّب، يعلّمك التواضع أمام الأقدار، ويعلّمك أن التعلّق الحقيقي بالله وحده.
- تتغير أمنياتك؛ تصغر، وتتلاشى وتصبح أبسط: طمأنينة، جبر و قدرة على الاستمرار.
- وبعد كل هذا، تدرك أن الجبر لا يأتي دفعة واحدة، بل على شكل لحظات صغيرة:
دعوة مستجابة، سكينة، أو آية تمرّ عليك.
في النهاية، الصبر على النفس ومواصلة المحاولة للعيش مهما كانت خطواتك بطيئة، هو ما يخفف بعضًا من ثقل قلبك.
والحمدلله أن بثّ في النفوس اليقينَ بالآخرة تتصبّر برجاء اللقاء في مستقرِّ رحمته.
* تعليق الموقع:
هناك نوع آخر من الفقد وهو: (أن تفقد ما لم تحصل عليه)، أن تفقد أمراًتريده بشدة ولم تحصل عليه.
هل مرّ بك فقد؟ خبَّرنا ما الذي أعانك؟





تعليقان
شكراً رغد،
مرّ بي فقد، وأعانني أن أبطأت من وتيرة أيامي، فكما قلتِ الحزن ثقيل، ويحتاج لمساحة أكبر كي يعبر. البطء والتأني وبعض الفراغ أتاح لعقلي أن يعالج الفقد ويجدد نفسه.. أظنها وزنية تحتاج حكمة، متى نهدأ مع أنفسنا، ومتى نختلط حتى لا يبتلعنا الأسى.
شكراً إيناس على مشاركتنا
تعليق مؤثر وحكيم.