You are here:

هل تكسرنا العِصِيّ أم الكلمات؟

لم نكتشف جيلاً هشاً بل صنعناه

 د. روجر ماكفيلن*

ترجمة موقع (كالنبتة)


تنويه للموقع:

لا يتبنى الموقع أفكار المقالة، ولكننا نقلناها للعربية لما لها من صلة تبين علاقة الألفاظ بتشكيل الواقع؛ أو: كيف تتأثر وتؤثر  الكلمات والتغييرات اللغوية الدلالية على النفس، والنُظم والبنى الاجتماعية والثقافية.

كما أننا ندرج ملاحظات نقدية على بعض أفكار المقالة، في مواضعها.


المقال:

عندما كنت صبياُ، لم تكن كلمات الآخرين تنال، لأنني كنت عُلمت على أنها لا تملك أن يكون لها ذلك الأثر، وما زلت أسمع كلام أمي يتردد في ذهني.

نبزني أحدهم بلقب  ذات مرة بلقب جارح، فعُدت إلى المنزل متألماً، أبحث عمن ينوب عني غضباً لكن أمي لم تغضب، ولم تتصل بالمدرسة، ولم تطلب مني أن أصف لها مشاعري فتَشْهَدها معي، ولكنها نظرت إليّ وقالت شيئاً لا بد أنه سيبدو قاسياً جداً -بمعايير والديةٍ حديثة- قاسيةً:

قوله يعيبه أكثر مما يعيبك.

ثم قالت تلك العبارة التي نشأ عليها كل طفل من أبناء جيلي حتى  حُفرت في أذهانهم؛  أن  العصي والحجارة تكسر العظام، لكن الكلمات لا تجرح أبداً.

وكان ذلك هو كل ما قامت به، لا جلسة متابعة، ولا مرشد نفسي، ولا إبلاغ عن الحادثة. لقد توقعتْ مني -بداهةً وبلا تبريرات-  أن أستوعب هذا الجرح البسيط و أمضي في سائر شأني، وقد كان التجاوز والمضي، في حد ذاته، كان هو الأمر المراد مني تعلمه.

ولقد كان مُعَلِّمِيّ في المدرسة يتعاملون مع الأمر بالطريقة نفسها؛ يعتبرون التنابز بالألقاب في ساحة المدرسة حدثاً عابراً: أمر مزعج يحدث، لكنه لم يكن حالة تستدعي تدخلاً عاجلاً أو ضرورياً، لذا لا يأتي أولياء الأمور إلى المدرسة لمعالجة الأمر كلما تعرض طفلهم لإيذاء.

عندما أستعيد تلك الأيام في ذاكرتي، أدرك أن ذلك لم يكن إهمالاً على الإطلاق، بل كان نوعاً م الحكمة، وإن لم يكن أصحابها قادرين على التعبير عنها نظرياً؛ فما كانوا يفعلونه في الواقع هو أنهم يَدعوننا نتعلم من تجاربنا.

ولقد تعلمت في ساحة المدرسة درساً لم لأتعلمه من الكراريس، بل من المخالطة نفسها؛ وهو أنك كلما انفعلت من السخرية فإنها تزداد سوءاً؛ فإذا أظهرت انزعاجك، أو بكيت، أو هرعت إلى الشكوى، أصبحتَ ذلك الطفل الذي يَسهل النيل منه. أما إذا لم تكترث حقاً، ولم تأبه بما قالوا ، على النحو الذي كانت دائماً ما توجهني إليه، فإن مُرادَهم يخبو بالسكوت عنه،  ذلك أن الأطفال الذين يرمون شتائمهم إنما يريدونك أن تُجيبهم عليها، وحين تمنعهم الإجابة، فإنك تطفئ[1] ذلك السلوك في مهده.

انظر ما الذي تعلمته من ذلك؛ لقد بَنَتْ في داخلي شيئاً أحتمي به؛ منظور فاعل يؤثر في سلوكي أرى به الازدراء من الآخرين أمراً يمكن تحمله، حتى إنه لا يكاد يؤثر في إدراكي لقَدْر نفسي[2] عندي. وتعلمت أني مالكٌ زمام أفكاري ومشاعري، وأنْ لا شي مما يلفظ به إنسان، يملك أن يترك أثراً مربكاً في داخلي ويهزني ما لم أأذن أنا بذلك.

غير أن ذلك الذي كنا نحتمي به في دواخلنا يكاد أن يكون قد ذهب وتلاشى اليوم، لقد انتزعناه من جيلٍ كامل، ولقد شهدته، وهو يزول، حين زواله.

2004

كنت أعمل في مدرسةٍ إعدادية، عام 2004، بينما كنت أكمل دراساتي العليا، وبدا أن شيئاً قد أخذ يتغير.

لقد  كانت “مكافحة التنمّر” قضية التي تستأثر بالاهتمام ذلك الوقت. شعارات عن “المدارس الآمنة”، وملصقات تملأ الممرات، واجتماعات توعوية، وتعهدات يوقعها الطلاب.

وعلى أني لا أشك بصدق تلك النوايا الحسنة، فإن دون ذلك (أي تحته) كان تحولاً هادئاً -لكنه عميق- يحدث. لقد بدأ معنى كلمة “التنمّر” يتسع.

لقد كانت -فيما سبق- تستعمل للإشارة إلى سلوك محدد؛ كأنْ يبتز طفل أقوى بِنيةً طفلاً أصغر منه ليستولي على مصروفه المدرسي، أو أن يتعرض طفل لحملة متواصلة ومقصودة من التخويف بالإيذاء الجسدي.

أما الآن، فقد اتسع المعنى ليشمل تقريباً كل ما يمثل موقفاً اجتماعياً مزعجاً قد يواجهه طفلٌ: من الإقصاء، إلى السخرية، إلى نظرات الاستهزاء والإشاحة الوجه، وعلى رأس ذلك: الكلمات.

فالنبز بالألقاب، نفسه، الذي كانت أمي تُشيحه عني في نصف دقيقة، قد أُعيد تصنيفه بوصفه ضرراً بالغاً يستوجب تدخل البالغين والتوثيق، وغالباً إحالة الطفل إلى مختص.

وإن أردت أن أكون صريحاً، فتلك هي اللحظة التي بدأت فيها أدرك حجم الكارثة التي كنا نؤسس لهاا.

لا لأن مكافحة التنمّر كان هدفاً خاطئاً في ذاته؛ فالتنمّر موجود فعلاً، وبعض الأطفال يعانون منه معاناة حقيقية، لكن المشكلة فيما أَحدثه هذا التوسع في تعريف التنمّر في الأطفال أنفسهم.

لقد رأيت أطفالاً ينهارون بسبب النبز بألقاب، لا لأن الألقاب أصبحت أشد قسوة مما كانت عليه، فالألقاب منذ كانت هي الألقاب ذاتها، لكن الذي تغيّر: أننا علّمنا هؤلاء الأطفال أن الكلمات: جروح وأن الجروح تستدعي استجابة، وأن الاستجابة الصحيحة هي اللجوء إلى سلطة أعلى. وكذلك فعلوا!

كانوا يذهبون إلى المعلمين، ويكتبون التقارير عن تعرضهم للتنمر، ويجلسون في المكاتب يصفون الحوادث -بجدية ضحايا الجرائم- ما نَبَزه به أحدهم في فرصة الغداء. وفي كل مرة يفعلون ذلك، كانت يهيئون لهشاشتهم النفسية بتكرار السرد.

لم نجعلهم بذلك أكثر أماناً، بل نزعنا عنهم ما كانوا يحتمون به في دواخلهم، ثم سمينا ذلك: طِيبة kindness؛ والأسوأ من ذلك أننا أعطيناهم هوية جديدة، فقد أصبح هناك ما يُسمى الطفل لأجله: “ضحية تنمّر”.

وفي ظل الثقافة المؤسَسة على الخوف في المدارس الأمريكية الحكومية، صارت الكلمات تَبلُغ -شيئاً فشيئاً- منزلة العنف، حتى أصبح اللفظ الجارح واللكمة الجسدية يُعدّان في المنزلة نفسها؛ فالطفل الذي نُبِز بلقبٍ قد صار ضحية لنوعٍ من “الاعتداء”، وضحايا الاعتداء، بطبيعة الحال، يُحالون إلى علاج نفسي.

لقد حوّلْنا ساحة اللعب إلى مجال يُتطبّب منه.

زحف المفاهيم

هناك عالم نفس اسمه نِك هاسلام هو من سمى هذه الظاهرة اسماً بالغ الدقة، وأنت متى اتخذت الاسم فإنك لا تلبث أن تجده يتمثل لك كلما التفت، لقد سمّاها “زحف المفاهيم”.

وقد كانت ملاحظته بسيطة بقدر ما هي صادمة، فعلى مدى العقود القليلة الماضية، أخذت المفاهيم التي نستخدمها لوصف الأذى – مثل: الصدمة النفسية، الإساءة، التنمّر، العنف، الاضطراب – تتوسع تدريجياً لتشمل خبرات أقل حدة، شيئاً فشيئاٍ، فالكلمة التي كانت تُستخدم لوصف حدث محدد شديد الأثر، أخذت تتوسع شيئاً فشيئاً حتى شملت التحديات العادية التي تفرضها الحياة اليومية.

فالصدمة النفسية كانت تعني في الماضي: النجاة من حرب أو من اعتداء عنيف صارت تستخدم للتعبير عن إلى أسبوع عصيب، وكانت الإساءة تعني “لكمة” وصارت الآن تشير إلى نبرةٌ فيها حدّة، وكان التنمّر يعني حملة متواصلة من الإيذاء الشديد ، صارت تستعمل للتعبير عن  استبعاد شخص من مجموعة دردشة في أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي.

وليس هذا محض تغير لغوي بسيط، لأنك عندما توسّع مفهوم الضرر، فإنك توسّع، دائرة المتضررين، إنك تصنع الضحايا بحكم التعريف؛ لا لأن العالم أصبح أكثر سوءاً، بل لأنك غيّرت حدود الكلمة نفسها.

إلى جانب زحف المفاهيم، ثمة آلية أخرى، أشد خفاءً وأعمق أثراً، وصفها الفيلسوف إيان هاكينغ، وهو الذي سماها: أثر ترديد الكلمات Looping Effect The

وتقوم فكرته على ملاحظة بسيطة، لكنها بالغة الدلالة، أن التصنيفات التي نطلقها على البشر تختلف عن التصنيفات التي نطلقها على الأشياء، فالصخرة – على سبيل المثال- لا تعلم أنها صُنِّفت بوصفها صخرة، ولا تغيّر سلوكها استجابةً للوصف الذي يقتضيه هذا التصنيف.

أما الطفل فله شأن آخر.

عندما تنشِئ تصنيفاً لفئة من الناس وتعطيها اسماً، يبدأ الأفراد الذين يندرجون ضمن هذا التصنيف بممارسة حياتهم بطريقة مختلفة، إذ يعيدون تشكيل ذواتهم بما يتوافق مع هذا التصنيف، ويتصرفون على النحو الذي يقتضيه هذا التصنيف.

ثم يكون من نتائج سلوكهم هذا أنه يبدو مبِرراً مؤكِداً على أن تلك الفئة كانت دائماً لها وجود في الواقع يميزها بهذا النوع من السلوك، وقد سمّى هاكينغ هذه العملية: اختلاق الناس making up people

فأنت باستحداثك اسماً لفئة من الناس، تُسهم -من خلال التسمية التي تمنحهم بها نوعاً من الأوصاف- تسهم في إيجاد المسمى الذي يتمثل هذه الأوصاف استجابةً للتسمية.

فاجمع (زحف المفاهيم) إلى (أثر ترديد الكلمات)، تظهر لك الأداة الكامنة وراء كل ما شهدته يتشكل في تلك المدرسة الإعدادية.

بادئ الأمر تُوسِّع معنى “التنمّر” حتى يمتد ليشمل مجرد التنابز بالألقاب، وذلك هو زحف المفاهيم.

ثم نخبر الطفل بأنه ضحية تنمّر، وأن الكلمات جراح.، وأنه تعرّض لأمر قد لا يمكنه مواجهته بنفسه، والطفل -بما هو إنسان لا حجر- فإنه يتمثل ذلك الحال تماماً: سيتصرف كما يتصرف الضحايا، وتتآكل المَنَعة التي كانوا يحتمون بها في دواخلهم لأننا أخبرناهم أنه لم يكن عليهم أن يمتلكوها أصلاً.

لقد تنبأنا بالهشاشة، ثم صنعناها، ثم أشرنا الهشاشة بعد ذلك باعتبارها الدليل الذي يثبت أن الأطفال كانوا بحاجة إلى تدخلنا منذ البداية.

وكان من المتوقع، في ظل هذا كله، أن يستفيد من هذا الواقع المصنوع المجمعُ الصناعي للطب النفسي[3]، وثقافةُ العلاج النفسي.

2014

أي بعد نحو عشر سنوات من عملي في تلك المدرسة الإعدادية- كانت عندي طالبة ما استطع نسيانها قط؛ إذ كانت ترفض الذهاب إلى المدرسة، وتلك واحدة من  أكثر الحالات التي أواجهها في عملي شيوعاً، وهي -كذلك- من أكثر الحالات قابلية للعلاج.

كانت حالة قلق اعتيادي متعلق بالمدرسة؛ ذلك النوع من القلق الذي يبدو معه التجنب والانعزال أسلوبًا للحماية في حينها، لكنه ذلك يجعل الخوف يزداد سوءاً مع مرور الوقت.

أما طريق العلاج، فهو معروف وواضح: أن تساعد الطفلة على اكتساب المهارات اللازمة، وأن تقلل سلوك الانعزال تدريجياً، وأن تتيح لها أن تكتشف بنفسها من خلال التجربة المباشرة أن بوسعها أن تتعامل مع ما تخشاه، وأن الخوف ينخفض إذا ما تعاملنا مع الأمور التي نخشاها.

يفعل الأطفال يفعلون ذلك باستمرار: يتكيفون، ويتجاوزون مخاوفهم، وهذا من أكثر الأشياء التي أعوّل عليها بثقة في مهنتي.

غير أن والديها لم يسمحا بذلك، فقد مهدا لها الطريق لسلوك التجنب، وسمحا لها بالبقاء في المنزل، ورفضا توصياتي، التي كانت تقوم على “العلاج بالتعرّض”، والمبنية على مبدأ إنساني بسيط: وهو أنك لا ينبغي أن نسمح لخوف الطفل بأن يتخذ قرارات الطفل.

أما الأم، على وجه الخصوص، فقد تبنت تفسيراً لم أستطع أن أغيّر قناعتها به، قالت لي:

“ابنتي تعاني من صدمة.”

فسألتها: “بسبب ماذا؟”

فأجابت: “لقد انتقلت صديقتها المقرّبة إلى مكان آخر.”

وأريد أن أتلمس الدقة فيما سأقوله هنا، فلست سوى إنسان يحس ويرحم، و فقدان صديق الطفولة المقرّب نوع من الفقد المؤلم حقيقةً، ومن الطبيعي أن يكون مؤلماً، لكن هذه الأم لم تكن تقصد أن ابنتها حزينة، ولا أنها تمر بفترة حداد، ولمولا أنها تمرّ مرحلة انتقالية مؤلمة ستتجاوزها بعد حين، بل كانت تعني “صدمة” بدلالتها الطبية الكاملة.

كانت مقتنعة بأن ابنتها مجروحة على نحو يستلزم علاجاً نفسياً، وبأنها قد أصيبت بما قد لا يمكنها أن تتعافى منه بنفسها.

ولأكون صريحاً، فإن مقدار هشاشة الطفلة الذي وصفته الأم كان مثيراً للقلق، لذلك فعلت ما تدربت على فعله، وما يمليه عليّ واجبي المهني، حاولت بهدوء أن أوضح لها الصورة؛ شرحت لها أن ابنتها لا تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ثم أوضحت لها مظاهر النمو النفسي الطبيعي للأطفال، وكيف يفقد الأطفال أصدقاءهم وكيف يحزنون لفقدهم. ثم، إذا أُتيحت لهم الفرصة، يُظهرون من المرونة ما قد يدهشك.؛ ثم طرحت عليها أهم فارِق تعلمناه في مجالي المهني كله؛ فارِق أخشى أننا، كمجتمع، أوشكنا أن نفقده: قلت لها:

الصدمة النفسية ليست مرادفاً للألم النفسي. فليس الألم تلفاً، وليس الوجع إصابة، وليست المشاعر جروحاً. وهذه الفروق هي ما يصنع الفرق بين أن تربي إنساناً قادراً على مواجهة الحياة، وأن تربي إنساناً يعتقد، بقناعة، أن الحياة العادية أكبر من طاقته.

لكنها شعرت بأني أسأت إليها، ولقد أدركت شيئاً عند إذ، وأريدك أن تدرك ماهو.

لم يكن التشخيص عبئاً تريد أن تتخلص منه، بل كان مُلكاً تذود تحميه، لقد وسّع زحف المفاهيم معنى كلمة “الصدمة” حتى أصبح يشمل حزن ابنتها، ثم جاء “أثر تكرار الكلمات” ليمنح تلك الطفلة هوية جديدة تتقمصها، ثم دخلتُ أنا الغرفة، واقترحت أن هذا البناء كله لم يكن ضرورياً أصلاً.

في نظرها، لم أكن بما قلته أطمئنها، بل كنت أقلل من شأن ابنتها، وكأنني لا أحمل معاناتها على محمل الجد.

بينما كنت -في الحقيقة- أكثر من يولي أمر ابنتها اهتماماً؛ ذلك أني مؤمنا إيماناً بالغاً بقدرتها فعلاً على التعافي.

المنحدر الزَلِق

وأريد أن أمضي بهذه الفكرة إلى ما تنتهي إليه، ذلك أن ما يبدأ في ساحة المدرسة لا ينتهي فيها؛ إذا ما قررت ثقافةٌ أن الكلمات شكلٌ من أشكال العنف، فإنه ستَنتهي إلى ضرورة أن تتولى الدولة مراقبة الكلمات كما تراقب العنف. وليس ذلك افتراضاً لما ستنزلق إليه الأمور، بل أصبح قانوناً نافذاً في دول تشبه مجتمعاتنا إلى حد بعيد.انظر إلى المملكة المتحدة: عام 2024، ووفقاً لبيانات الشرطة التي جمعتها الصحافة البريطانية ونشرتها، أُلقي القبض على ما يقارب عشرة آلاف شخص بسبب نشر رسائل على الإنترنت اعتُبرت “مسيئة بصورة فاحشة” أو “منافية للآداب”. معيار مطاطي حتى إنه يكاد يشمل كل شيء.

توقف قليلاً عند غموض هذا الوصف: مسيئة بصورة فاحشة؛ لمن؟ وبأي معيار يُقاس ذلك؟[4]

إنه زحف المفاهيم، ها قد صار في مواثيق القانون الجنائي. وأولئك الذين يجدون أنفسهم خارجين عن تقييدات النَص ينتهي بهم الأمر في السجن.

تأمل قضية الكاتب الأيرلندي غراهام لاينهان، صاحب بعض أشهر الأعمال الكوميدية البريطانية في جيله. وصل غراهام في سبتمبر 2025 إلى مطار هيثرو، وكان في استقباله خمسة ضباط شرطة مسلحين، ثم أُلقي القبض عليه بسبب ثلاث منشورات نشرها على منصة X، انتقد فيها نشاط بعض جماعات الدفاع عن المتحولين جنسياً، كان قد كتبها أثناء إقامته في الولايات المتحدة. نعم خمسة ضباط مسلحين لأجل تغريدات، وذلك يحدث في بلدٍ تُصرّح شرطته بأن معظم جرائم السرقة لا تُحل.

ولست مُلزماً بالاتفاق مع كلمة مما كتبه لاينهان لكي تدرك أن هذا المستوى من تدخل الدولة أقرب إلى كابوس ديستوبي، فما إن تُقبل المقدمة الأولى حتى تصبح كل النتائج التي تليها منطقية. وحين نقتنع أن الكلمات هي ضرب من العنف؛ فإن وجود رجال الشرطة المسلحين عند البوابة سيبدو أمراً الطبيعية.

إن (إعادة تعريف المسميات) نفسها التي كانت تُرسل طالباً في المرحلة الإعدادية إلى المرشد النفسي لأنه نُبِز بلقبٍ هي نفسها التي ترسل اليوم رجلاً بالغاً إلى زنزانة بسبب تغريدة. هذا ما يفعله زحف المفاهيم عندما يبلغ مداه. إنه لا يبقى داخل عيادة المعالج النفسي. بل ينتقل إلى قاعة المحكمة.

وهنا أصل إلى الفكرة التي أريدك حقاً أن تتوقف عندها، فالقصص الفردية لا تكتسب قيمتها إلا إذا كشفت عن الصورة الأكبر، لقد ربّينا جيلاً كاملاً داخل منظومة تصنع الهشاشة، ثم تعود لتبيع له العلاج.

لقد وسّعنا مفهوم الضرر حتى أصبحت الحياة اليومية نفسها تُعامل كما لو كانت إصابة، ومنحنا الأطفال وصف الجرحى، والضحايا، والمضطربين.

ولأنهم بشر فقد كبروا داخل تلك الهويات، ثم نظرنا بعد ذلك إلى جيلٍ كامل يعجز عن التأقلم، ويعاني من القلق، ويتجنب المواجهة، ويقتنع بأنه هش وأطلقنا على ذلك اسم “أزمة الصحة النفسية”، وكأنها كارثة حلّت علينا دون سابق إنذار.

لم تهبط علينا من السماء، نحن من بنيناها هذه الأزمة، لقد بنيناها، عُوداً عُودا باسم الأمان وباسم الطِيبة، وباسم منع الوصم والتعيير ، ولذلك فالأزمة ليست لغزاً؛ إنها حصاد لما فعلناه، لقد زرعنا الهشاشة في جيلٍ كامل، ثم وقفنا بعد ذلك مذهولين من ناتج الحصاد. وهنا تأخذ القصة منحىً قاتماً، لأن ثمة خطوة أخيرة بقيت، وكانت إلى حد بعيد حتمية.

لأنك متى أقنعت طفلاً بأن ألمه الطبيعي هو جرحٌ سريري [لا محض تجربة إنسانية]، حتى تصبح الخطوة التالية نتيجةً منطقية.

وخلافاً لنصيحتي، اصطحبت تلك الأم، التي كانت مقتنعة بأن ابنتها تعاني من صدمة نفسية، ابنتها إلى طبيب الأطفال ليصف لها أحد أدوية مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، ولم يكن ذلك مفاجئاً، فالمنطق الذي تبنته كان قد اكتمل.

إذا كانت الفتاة تعاني من صدمة نفسية، وإذا كان ما تشعر به مرضاً لا مرحلةً طبيعية من مراحل النمو، فلا بد أن يكون العلاج دواءً، صحيح أنه لم يكن لي أي دور في ذلك، ولكني عارضته صراحة، لكنها مضت فيه، لأن الإطار الفكري الذي تبنته لم يكن يقود إلا إلى هذه النتيجة.

وكما قد توقعت لم تكن النهاية سعيدة، فقد غادرت الأسرة عيادتي، ووجدت معالجاً آخر وافقها الرأي، وأكد لها وجود الصدمة، وشجعها على استمرار سلوك التجنب، وأيد العلاج الدوائي، وبارك الرواية كلها.

لأنه يوجد دائماً من يخبرك بما ترغب في سماعه، وللأسف، فإن مجالنا ليس استثناءً.

ما زلت أتساءل حتى اليوم عمّا آل إليه حال تلك الفتاة، وربما أفكر فيها أكثر مما ينبغي، لقد كانت تمتلك كل المقومات التي تؤهلها للتعافي، ولكنها لم تُمنح فرصة لاستعادة عافيتها، بل مُنحت تشخيصاً.

ووُصف لها دواء، وغُرس في داخلها اعتقاد دائم بأنها أضعف من أن تواجه العالم. لكن… هل أحتاج حقاً إلى التساؤل؟ في الحقيقة، لا.

فأنا أرى ما حدث لها يتكرر مع ملايين الأشخاص حول العالم، جيلٌ كامل يتناول مضادات الاكتئاب، ومع ذلك لا يزال يكافح من أجل التأقلم مع الحياة؛ جيلٌ لم يُتح له أن يكوّن تلك الطبقة العازلة التي تحمي الإنسان من الانكسار؛ جيلٌ تربّى على أن مشاعره إصابات، وأن إصاباته أمراض، وأن الحل يكمن دائماً في تشخيص جديد أو وصفة دوائية جديدة، تماماً كما كان جيلي، في الماضي، يلجأ إلى تلك الأهزوجة التي كنا نرددها في ساحة المدرسة.

كنت أظن سابقاً أن ما حدث لم يكن سوى خطأ مأساوي ارتكبته ثقافة حسنة النية، ثقافة بالغت في تصحيح المسار، وأحبت أطفالها إلى حد أنها أضعفتهم من حيث لا تشعر.

معظم المعلمين، والآباء، والمرشدين النفسيين الذين يعملون ضمن هذا الإطار أناس مخلصون، يريدون الخير بالفعل؛ لكنني لم أعد أعتقد أن المنظومة نفسها بريئة.

وسأقول السبب بوضوح. إن المجتمع الهش هو مجتمعٌ مربح، ومجتمعٌ يسهل إخضاعه، ولست بحاجة إلى نظرية مؤامرة حتى أصل إلى هذه النتيجة.

يكفي أن تتبع الحوافز، فالحوافز تكافئ النتائج، سواء وُجدت مؤامرة أم لم توجد.

فكلما وسّعت صناعة الأدوية مفهوم المرض، باعت مزيداً من الأدوية، وكلما حولت صناعة الصحة النفسية المعاناة الإنسانية الطبيعية إلى اضطرابات تحتاج إلى علاج، ضمنت لنفسها مزيداً من العملاء، لأن الإنسان لن يُشفى يوماً من كونه إنساناً.

أما الدولة؛ فعندما تقنع مواطنيها بأن الكلمات شكل من أشكال العنف، فإنها تحصل على المبرر الأخلاقي لمراقبة الكلام نفسه، وهي سلطة لطالما سعت إليها الحكومات عبر التاريخ، لكنها نادراً ما مُنحت لها بهذه السهولة.

انظر مرة أخرى إلى أولئك الضباط المسلحين في مطار هيثرو، لم تُنتزع تلك السلطة أو تُفرض بقوة السلاح، بل مُنحت لها طواعيةً، من مجتمع تعلّم على مدى سنوات أن الكلمات تجرح، وأن الإساءة ضرر، وأن الضعفاء ينبغي حمايتهم حتى من المقاطع اللفظية.

لقد جرّدنا أنفسنا من وسائل دفاعنا، وتخلينا، بإرادتنا، عن تلك الطبقة الواقية. نعم بدأ الأمر في ساحة المدرسة ثم امتد إلى القانون.

ولم تتردد المؤسسات التي تستفيد من هشاشتنا في قبول هذه الهدية، ولست بحاجة إلى إثبات وجود مؤامرة تُدار خلف الأبواب المغلقة؛ بل يكفيني أن أنظر إلى المستفيد.

والمستفيد، في النهاية، ليس الطفل الهش، ولا البالغ الذي يعيش على الدواء، ولا الرجل الجالس في زنزانة احتجاز لأنه كتب رأياً، المستفيد دائماً هو المؤسسات والسلطات التي تزداد قوة كلما ازداد الناس ضعفاً.

فما العمل؟

نبدأ بإخبار أطفالنا بالحقيقة، الحقيقة التي يرفض هذا العصر الاعتراف بها، وهي أنهم أقوى بكثير مما يوحي لهم به الخطاب السائد. لندعهم يختبرون مرارة الإساءة، ليكتشفوا بأنفسهم أنهم قادرون على تجاوزها.

ونكف عن تسمية كل ألمٍ ضرراً، وكل حزنٍ صدمةً نفسية، ونكف عن البحث عن تشخيص طبي كلما واجه طفل إحدى صعوبات الحياة الطبيعية.

ونعيد بناء تلك الطبقة العازلة؛ طفلاً بعد طفل. لا بأن نزرعها من جديد؛… بل بأن نتوقف عن اقتلاعها منذ البداية.

كما ينبغي أن نتعامل بحذر مع المفاهيم التي تتسع بلا حدود[5].

فكلما سمعت أحدهم يوسّع معنى كلمة مثل الصدمة، أو الأذى، أو العنف، أو الأمان، حتى تشمل ما لم تكن تعنيه من قبل، فاسأل السؤال الذي لم يعد كثيرون يطرحونه:

من المستفيد من هذا التعريف الجديد[6]؟

ومن الذي تتسع سلطته كلما اتسع معنى الكلمة[7]؟

وعلينا أيضاً أن ندافع عن حرية التعبير دفاعاً لا هوادة فيه[8]، حتى عندما يتعلق الأمر بالكلام الذي نرفضه أو نكرهه، لأن الفكرة التي تقول إن الكلمات عنف ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي المفتاح الذي يفتح الباب أمام كل أشكال الاستبداد[9].

فما إن تقبل هذا المبدأ حتى يبدأ رجال الشرطة المسلحون بالقدوم. ولن يأتوا فقط إلى من تختلف معهم، بل سيصلون إليك أنت أيضاً، عاجلاً أم آجلاً.

وأخيراً:

فلنستعد تلك الحكمة البسيطة التي قالتها أمي ذات يوم، وهي واقفة في مطبخ منزلنا:

الشعور بالألم ليس إصابة، وإساءة الآخرين لك يخبرعنهم أكثر مما يخبر عنك.

“قد تكسر العصي والحجارة عظامي”

ذلك الجزء كان صحيحاً دائماً، أما العبارة التي تقول:

“لكن الكلمات لن تؤذيني أبداً”

فلم تكن إنكاراً للألم، بل كانت إعلاناً عن السيادة على النفس، وربما كانت أكثر جملةٍ علمناها للأطفال قدرةً على حمايتهم نفسياً، لكننا تخلينا عنها واليوم ندفع ثمن ذلك. ثمن جيلٍ لم يعد يؤمن بأنه قادر على احتمال الكلمات.

لقد حان الوقت لنعلمه هذه الحقيقة من جديد!


المصدر: drmcfillin.substack.com/p/sticks-and-stones-may-break-my-bones

مع تصرّف في العنوان الرئيس للمقال


* أستاذ علم نفس إكلينيكي حاصل على البورد الأمريكي في علم النفس السلوكي والمعرفي (ABPP)


تعليقات الموقع:

[1] من قول الإمام الشافعي:

يخاطبني السفيه بكل قبحٍ

فأكره أن أكون له مجيباً

يزيد سفاهةً فأزيد حُلماً

كعودٍ زاده الإحراق طِيباً

[2] لا نُريد بـ”النفس” تعاظُم النفس والإيقو، وإنما نقصد بها قَدرالذات.

[3] عبّر عنها المؤلف بـ psychiatric industrial complex وتشير إلى علاقات المصالح المتشابكة داخل القطاع الطبي بين المؤسسات الطبية وشركات الأدوية وغيرها.

[4]  القول بهذا؛ أي: مساءلة حدود اللفظ، ومعايير الإساءة مؤدٍ -في نهاية المطاف- إلى “توسيع” المفاهيم أو الدلالات، ومعه “تزحف” المفاهيم إلى مواضع لا ينبغي لها أن تكون فيها، كيف؟ ثمة مقبول ومرفوض، معروف ومنكر في كل ثقافة، وتلك الحدود تُبنى على قيم تلك الثقافة، وكل بناء حضاري يستبطن القيم الثقافية ويؤسس بِناه على معاييرها. إزالة المعاني من الألفاظ، أو توسيعها من شأنه أن يؤدي إلى أن تُنتزع من الألفاظ دلالاتٌ قارّة اكتسبها اللفظ من قيم تلك الثقافة ومعاييرها.

فالبنى الثقافية بنى لغوية في المقام الأول (انظر: كريم زكي حسام الدين: اللغة والثقافة: دراسة أنثرولغوية لألفاظ وعلاقات القرابة في الثقافة العربية، المقدمة).

[5] يبدو لي أن الكاتب قد وقع بما حذّر منه، وسّع معيار المقبول من الألفاظ التي ساءل معاييرها، وإنما معاييرها قيم الثقافة نفسها (انظر الهامش السابق).

[6] كل مواضعة لغوية تعبّر عن مفهوم قِيَمي هي مواضعة ثقافية، فحدود الألفاظ المعبّرة عن القيم يُنشأ -بطبيعة الحال- من سلطة ثقافية تعبّر عن قيم الجماعة اللغوية وبناها (قد تكون هذه السلطة سلطة اجتماعية أو سياسية أو فكرية في مجتمع ما)، وعلى هذا فالتساؤل الذي يطرحه الكاتب يصلح أن يطرح على الحدود التي يقترحها هو؛ من المستفيد من توسيع حدود (الألفاظ المسيئة) بإزالتها؟

[7] يقال في هذا ما قيل في الهامش سابِقهِ.

[8] ليست الكلمات أفكاراً عابرة على الإطلاق (أي: على كل حال)، فبعض الكلمات أقوال تؤدى بها أفعال:

ذلك أنك حين (تنطق بجملة) قد تتضمن الجملة (فعلاً تؤديه): كالنصح، والتهديد، والتخويف، وإلحاق التهمة، والتبرئة، وهذه كلها -وغيرها- (أفعال تؤدى) بالكلام، وأداؤها ينتج عنه (أثر يَحدث) في نفس السامع أو في سلوكه، أو في الواقع:

فالقذف فعلٌ يؤدى بالقول، وينتج عنه (تشويه) لسمعة شخص، أو (إلحاق تهمة) به، والتحذير فعلٌ يؤدى بالقول، وينتج عنه (حدوث الخوف) في نفس السامع، مما يدفعه إلى نوع من (السلوك) كأن يتجنب شيئاً أو يندفع إلى فعل شيء. (عبّرت عن هذه الفكرة: نظرية أفعال الكلام لأوستين، 1995).

[9] والفكرة التي تقول إن الكلام يجب أن يتاح على إطلاقه، تمنح تأويلها لما هو (مقبول)، وبهذا التأويل -إن هو نَفَذ، فإنه سيؤدي إلى تغيير في نظم إجتماعية وثقافية أو تأسيس لبِنى جديدة، وبهذه البِنى يعاد تشكيل الثقافة.

أليس ذلك نوع من التفرد بالتأويل، المؤدي إلى نوع من السُلطة التي تتطلب الإلزام برأي؟ لا بد!

كيف أنمي مرونة طفلي النفسية؟
عن المرونة النفسية في بيئاتنا
شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك