You are here:

لماذا نكرر أنماطاً من السلوك؟

من مباهجي في الحياة مؤخراً: أن أكتشف (نمط سلوك)، يتكرر بطريقة كأنها تلقائية في تصرفاتي في المواقف المختلفة، يبدو هذا وكأنه جزء من (طبعي) في التعامل مع المواقف والناس، لأنه يظهر في صور كثيرة في مواقف مختلفة، قد لا يبدو أن هناك تشابه بينها، لكنك غالباً تلاحظ أن تتصرف (بطريقة معينة) وتُشكّل هذه المواقف المتكررة مجتمعة طريقتك في الاستجابة للمواقف، على نحو يمكن التنبؤ بنتائجه، لأنك تتلقى نتائج متشابهة في كل مرة تتعامل مع المواقف والناس، حتى لو تباينت هذه المواقف.

أنت -مثلاً إنسان (من طبعك) الاستعجال في اتخاذ القرار، وهذا يظهر في سرعة ردات فعلك في المواقف المختلفة، وكثيراً ما يسبب هذا السلوك حاجة إلى تعديل في الموقف بالتراجع عن القرار مثلاً، أو بالاعتذار لشخص، أو يتسبب سلوكك في سوء تفاهم مع الآخرين، تُلاحظ أن هذه المواقف تتكرر.

أو أنك شخص تُسوّف كثيراً، النمط يتكرر لكنه لا يظهر بصورة واحدة كل مرة: قد يبدو أنك (أجّلت) هذا الموضوع لدراسته أكثر، ولكنك لا تتخذ قرارا، أو (انتظرت)، أو (تريثت)، أياً كانت صور هذا السلوك، لكنه يمثّل طريقة معينة في الاستجابة في المواقف المختلفة، يمكن توقُّعها أو التنبؤ بها، أو يعرفها عنك المحيطون بك في دوائر العمل وغيرها.

أو أنك لطيف (لطفاً بالغاً)، لأنك (تبذل من نفسك)، أو أنك (تفزع) للآخرين، في مواقف عدة، صَغُرتْ أو كَبُرت، أو دُعيتَ إلى البذل فيها أو فعلته ابتداءً دون أن يُطلب منك ذلك، لكن الناس دائماً تواجهك بنوع واحد من الأفعال في مقابل (عطائك) هذا.  

السلوك يتكرر بصور عدّة في مواقف مختلفة، لذلك قد لا تُلاحظ تشابه (النمط)، ولكنك ربما تُلاحظ أنك -مهما تباينت المواقف- تحصل -غالباً- على نوع متشابه من تفاعل الناس مع سلوكك في المواقف  المختلفة.

  • ما (نمط السلوك)؟

نمط السلوك لو فحصته لوجدت أنه طريقتك في الاستجابة في المواقف المختلفة، هي سلسلة من التصرفات التي تتكرر، ولذلك يمكن توقّعها أو التبؤ به (ألا يقول الأصدقاء -وهم يتندرون على مواقف مختلفة-: لو حضر فلان لفعل كذا؟). تتمثل هذا السلوك في سلسلة من التصرفات التي تعتنقها في الموقف الواحد تُشكّل دائرة؛ مثلا: أنك إذا أردت أن تتخذ قراراً، فإنك تتخذ قراراً فوياً بالإقدام ثم تتراجع سريعاً، ثم تندم على التراجع، ثم تميل للوم نفسك أو الآخرين.

أو أنك تتخذ موقف مبادرة في (بذل، أو خدمة، أو صلة اجتماعية) ثم يُعجِبك أنك تقوم بهذا، ثم تفتح أبواباً أخرى من المبادرة، ثم لا تحصل على التقدير، ثم يُحزنك هذا، ثم تتخذ موقفاً ما.

أو أن عليك أن تقوم بمهمة، تبادر إليها بحماس، ثم تتطلب وجه الإتمام في أدق التفاصيل، يُرهقك هذا، تُلقي باللائمة، تُسوّف، مع عزم على العودة، تبدأ ثم تنسحب (هذه مجرد أمثلة تقريبية غير دقيقة).

  • كيف ينشأ (النمط)؟

يبدو (النمط) كأنه طريقة تلقائية في الاستجابة للموقف، لكنه هذه السلوكيات -التي ترجع إلى طريقة معينة في التصرف- مكتسبة يكتسبها الإنسان ابتداءً في مرحلة مبكرة -غالباً-،؛ تنشأ هذه السلوكيات من علاقته مع المربين: يتبنى طريقة تفاعلهم أو استجاباتهم لأمور الحياة، أو: يتكون عنده مجموعة من (الأدوات) من السلوكيات التي اختبرها سابقاً وشعر أنها نجحت في تلبية حاجاته (الشعورية أو المادية بطبيعة الحال).

بمعنى: أنك تتبنى هذا السلوك لأنك اختبرت أنه يؤتيك نتائج تتعلق بتلبية حاجاتك: تُلح في الطلب -مثلاً-، أو تتجنب أو تعتزل، أو تجتهد في طلب الرضا، أيها يُلبي لك حاجاتك، فهو السلوك المقبول والنافع، وهو الذي تتبناه. يرتبط تبني سلوك معين بمعتقداتك المتأثرة بالتجارب: ما نجح منها وما فشل: مثلا: إذا بذلت جهدا أكبر فسأحصل على صديق، أو سيرضى عني مسؤولي، وسأحصل بذلك على اعتراف يعطيني مكانة بين أقراني (مرة أخرى: الأمثلة أولية للتقريب)، فينبني من ذلك نمط يتعلق بالمبالغة في محاولات إصلاح الأشياء أو تقريبها.

وقد تتغذى هذه أفكار معينة أو قناعات تتصور بها أن هذا السلوك سينفعك فتخدم الأفكار تكرار النمط وتعزز تكراره.

إذاً فالنمط يتكون -غالباً- من:

  • طريقة استجابة المربين لمواقف حياتهم.
  • طريقة تفاعلك مع من يزودك بالرعاية ويلبي حاجاتك الشعورية.
  • معتقداتك وأفكارك التي نشأت من التجارب التي نجحت في تلبية حاجاتك، وتلك التي لم تنجح.
  • كيف يمكن أن أتعرف على (نمط السلوك)

تمتلك أدبيات علم النفس نظريات تصنف السلوك، تفحص الأنماط فيه، وتدرس دوائرها، وتحيل كلاً منها إلى (قوة دافعة)، ومن ذلك -مثلاً-: أنماط التعلق، السلوك الإبهاجي، السلوك النرجسي، أو غيرها.

قد ينفعك مطالعة كتب أو وقد ينفعك مواد تعتني بشرح دوائر السلوك وتصنيفها في أنماط.

وقد ينفعك في فحص أنماط سلوكك مراجعة مختص مطّلع، له علم، عنده معرفة بطبائع النفوس، وقدرة على الملاحظة والربط بين المتشابهات، ولن يكون -بطبيعة الحال إلا قارئاً مطلعاً على المناهج والنظريات وأدبيات النفس والتربية.

  • كيف أغيّر نمط السلوك؟

اسأل المختصين! ولكن قد ينفعك في ذلك أن:

  • أن تتعرف على الأنماط، لعلك تدرك إلى أي نمط ينتمي سلوكك، فأول المعرفة أن تفهم -فهماً نظرياً- سلسلة السلوكيات التي تشكّل دائرة أو متوالية من السلوك.
  • تُمثل هذه الدائرة خريطة لمسار لسلوكك المتوقع في المواقف المشابهة، يعينك هذا على معرفة حركة سلوكك، محفزاته، دوافعه: (ديناميكيته)
  • أن تتعرّف على الحاجات الشعورية الضرورية، تتأمل كم تحقق لك منها وكم تفقد، قد يعينك هذا معرفة القوة الدافعة إلى تبني نمط معين من السلوك.
  • تعالج الأفكار المتعلقة بهذا السلوك، التي تمثل قوة دافعة لتبنيه: تُسائل هذه الأفكار ثم تنقضها

مثلاً: هل سيساعدني هذا التصرف بالحصول على الاعتراف أو الرضا (أو أي مطلب أو حاجة شعورية)؟ لِم أريد الاعتراف والرضا (هذه الحاجة، أو ذاك الشعور)؟ ما الذي يخبرني به هذا السلوك عن حاجاتي؟ هل هذه أفكار حقيقة أم مجرد شعور؟

  • في الموقف نفسه: لاحظ سلوكك، وأنت تستحضر دائرة النمط في عقلك: يميل العقل إلى تكرار النمط الموجود سابقاً لأن ذلك أسهل عليه، سيبدو الأمر كأنه تلقائي، ولكن الأمر ليس كذلك، هذا نمط مكتسب ويمكن تغييره.
  • إذا عرفت دائرة السلوك، والقوة التي تدفعه، وعلمت أنك لا يعينك على تلبية ما تريد من الحاجات، سيعينك هذا على تلاحظه في الموقف، قد تتحكم في سلوكك أول الموقف ثم تنزلق إلى سلوكك “التلقائي”، لا يحدث التغيير دفعة واحدة وإنما بالتدرج: في خطوات صغيرة؛ تتقدم خطوة ثم تعود، شيئاً فشيئاً حتى تصل.

هل لعبت متاهة أو كاسحة ألعاب أو لعبة القطع الخشبية كم حركة حتى ينفتح لك المسار، وكم مرة أعدت الكَرة؟كل مرة تكتشف تقنية ينفتح لك بها عقدة من الطريق، وأنت تراكم هذه (الحلول) الصغيرة التي تنحل بها العقد حتى يتكشف لك الطريق.

  • أعد الموقف في ذهنك: تأمل كيف تصرفت؟ ما الأجزاء التي تصرفت فيها بوعي، وما الأجزاء التي كنت فيها “تلقائياً” مدفوعاً باعتيادك القديم، وكيف ستراكم وعيك بسلوكك المرة القادمة؟ وكيف ستتصرف المرة القادمة؟ أعد تمثّل السلوك في ذهنك.

تراثنا:

في كتاب (الأربعين في أصول الدين)  ما يعين على فهم النفس، وتفكيك نوازعها.


تلويحة:

هل اطلعت على الروابط المرفقة؟


المقال من (مدونة حصة)

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك