You are here:

كيف يغيّر حديثك مع نفسك حياتك؟

معلوم أن اللغة آلة الفكر، أي أننا نفكّر باللغة، وقد قالوا قديماً أن اللغة غرضها الأول: الإخبار؛ أي أنها -في المقام الأول- أداة للتواصل بين الناس: كما في التعريف المشهور: “أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم”.[1]، ثم فطن الإنسان إلى أن علاقته باللغة لا تبدأ بالتواصل مع الناس، ولكن مع نفسه، لأنه يفكّر بها.  فما الفكرة ؟ وما المسافة بين لغتنا وأفكارنا؟

الفكرة (thought):

الفكرة هي تصورك العقلي، الذي ينشأ في خاطرك، وقد يظهر كَنيّة تنعقد أو هاجس، وقد تستجلب الفكرة شعوراً، أو يؤثر فيها الشعور، على خلاف بين المناهج النفسية: فالعلاج المعرفي السلوكي -مثلاً- يرى أن الأفكار تنشأ أولاً، وأنها مسببة للشعور، وغيره من المقاربات يقول إن الشعور -أو الانفعال- سابق للفكرة؛ فأنت تتخذ ردة الفعل قبل التصور: تجفل من الحبل، قبل أن يخطر في ذهنك أنه حية، بناءً على شعورٍ خَبِرتَه من تجربة سابقة: أن هذا الشكل أو الملمس خطِر، وصنّفه عقلك في خانة الخطر قبل أن يتبيّنه.

هذه الفكرة لا لغة لها،  لكنها فاعلةٌ في الشعور: تصوّر -مثلاً- فكرة سلبية، ثم انصرف عنها إلى فكرة سارّة أو مريحة: ستلاحظ سرعة التغير في المزاج: من انقباض أو كدر تشعر به أو يعتري خاطرك فجأة ساعة ورود الخاطر، إلى ارتياح أو انبساط مع تبدّله.

أريت ابن عطاء الله يقول لك في الحِكم:

متى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع هو عين العطاء.

انظر إلى استعماله لفظ “متى”، شرطاً منعقداً بظرف الزمان، أي: ساعة يُفتح لك (باب الفهم) في المنع، فإنك ستعيد النظر إلى الأشياء من زاوية تتفطّن فيها الألطاف والأرزاق التي خفيت عنك أو غفلت عنها.

وإذا تبدّت لك هذه الأرزاق والمعاني، انفرجت سريرتك، وانشرحت نفسك ونشطت همتك، وإن أتبعت ذلك بعملٍ تغيّر حالك، وما ذلك كله إلا من باب انفتح في الفهم، غيّر تصوّرك عن الواقع، وتبدّلت معه مشاعرك. هذا التغيير في (الفهم)، وإن كان نوع من الوهب (أي: الرزق الإلهي) ، فإن مقاربات العلاج النفسي -على اختلافها- لا تخلو من تقنية تحيل إلى (إعادة النظر) فيما يعتري الحياة من نقص وفقد، من زاوية تتلمّس العطايا والألطاف فيها، تعمل (إعادة النظر) -في هذه التقنيات- عمل الضوء، يُلقى على الصور فتُبصر منها ما لم تكن تراه من قبل، أو يؤدي دور إطار يُحيط بالصورة فيبُرز به من عناصر من الصورة لم يكن بارزاً من قبل، على أن درجة (الفهم) -عند ابن عطاء- أعلى من درجة (إعادة النظر)، لأنها تجعل المنع نفسه هو عين العطاء.

هل في ذلك لغة؟ لا، وإنما هو محض فهم وتصوّر وزاوية نظر. غير أن اللغة تعين الإنسان على بناء هذه التصورات، أو إعادة بنائها، لأن الإنسان يفهم باللغة، وتوجه اللغة تصورات العقل التي فيستقبلها من (باب) اللغة، تسمى تقنيات إعادة النظر هذه: إعادة التأطير، تستخدم فيها اللغة لتوجّه التصورات و(الفهم).

فما اللغة؟

اللغة هي المعجم: ألفاظ تؤدي معان مخصوصة، يعبّر كل لفظ عن معنى، بحسب ما اتفقت عليه الجماعة اللغوية، والمعجم مهما اتسعت ألفاظه محدود، أي أن ألفاظه -في حقبة زمنية معينة- يمكن حصرها.

تنثر اللغة هذه الألفاظ في جعبتك، ثم تعطيك قواعد لبناء الجمل، فتكوّن من الكلمات المحدودة، جُملاً لا نهاية لعددها: بوسعك أن تنظم ما شئت من الجمل باستعمال ألفاظ اللغة وقواعد التركيب، لتعبّر عما شئت من الأفكار والتصورات: فكرة حقيقية أو مجازية، واقعية أو خيالية، صالحة أو باطلة، أخلاقية أو غير أخلاقية. كل جملة تعبّر عن فكرة، ثم إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستعمل لغته مع نفسه، يتفحصها ويعيد ترتيبها، يهيئها في نفسه[3] قبل أن يستعملها استعمالاً خارجياً. “إنه فكّر وقدّر” أي: “هيأ الكلام في نفسه”، فتهيئة العبارة هي مرحلة بعد (الفكرة)، وقبل (القول)، تُصنع بها العبارة، قبل أن تُنطق، وهذه العبارة غير المنطوقة هي آلة النظر الداخلي، فهذه الجمل هي (مفتاح) إعادة التأطير.

ما اللغة التي تحدّث بها نفسك؟ ماذا تقول عن الحدث الذي مررت به، كيف تصوغ مواقف حياتك؟ (حديثك مع نفسك) هي لغة تسايرك في نظرك للمواقف والأحداث، قد لا تفطن لها، لكن في تغييرها مفتاح تغيير شعورك ومواقفك أو معتقداتك تجاه ما يحدث.

أنت تحدّث نفسك بجمل خبرية، تقول -مثلاً: حدث كذا لأجل كذا، أو كان كذا فسيحدث كذا، أو: فاتني كذا، أو: ما حصلت قط على كذا. بهذا الحديث، ومن خلال هذه العبارات تتشكل زوايا نظرك إلى ما يحدث لك، فتتشكل منه -شيئاً فشيئاً- نظرتك لنفسك، لعلاقاتك مع الآخرين، ولقيمة حياتك.

تأمل (قصة حياتك) مثلاً، لا تمر بخاطرك كفكرة، وإنما هي سلسلة من الأحداث، التي تراها من زاوية معينة، يتغيّر تصورك لها إن تغيّر سردك لها: على أي جانب تركز، وكيف تفهم ما مررت به؟ هل تنظر إليه على أنه تعثّر أم محاولة، إخفاق أم خيرة، رزق خفي، أم حرمان. تتشكل هذه النظرة من سرد الحوادث، ولن يكون السرد إلا من خلال اللغة، وإذ تغيرت لغة سردك لها ستتغير زاوية النظر التي اخترتها لتنظر إلى الموقف، ومتى غيرتها سيتغير تفسيرك للموقف وفهمك له، وبذلك تتغير نظرتك، وقد لا يعود الموقف يمثل لك مشكلة.

تقول لك مقاربات علم النفس: التفت إلى الموجود وحدّث نفسك به، وركز عليه، واستثمره، وذلك حسنٌ كله.

عدد ما عندك من السكن والذرية، أو الراتب، والعافية، والأهل، حدث نفسك بالموجود أصلاً من المواهب الاجتماعية والمهنية، سترى -إن عددت- أن عندك أكثر مما تعرف. وهذا باب فهم، وربما وجهك إلى العمل بما رُزقت والانصراف به عما مُنعت، وهذا -إن أحسنت فيه- مؤدٍ إلى أن تمدّ عينك في زوايا أرزاقك، التي خفيت عنك، أو أهملتها اعتياداً أو تكاثراً أو طمعاً، غير أن ابن عطاء الله يجعل هذا المنع عطاء محض، وهو هنا لا يعطيك لا مجرد “إطار” لاستكشاف عناصر في الصورة، ولكن “باباً” للفهم.

وفي طريقك لـ(إعادة التأطير) لكي تنفتح النافذة أو يتغير الإطار: سائل أفكارك، لكن كيف؟

هناك طرق كثيرة لإعادة التأطير، وأول هذا أن تسائل الفكرة في الجملة الخبرية التي تحدثك بها نفسك، ستجد العبارة تحتوي على حكم عام، يمكنك أن تجعل هذا الحكم محدودا[5]ً:

  • كأن تجعله محدود بأحد أو بعض جوانب حياتك، لا سائرها:  فتقول: أخفقت في كذا، ولكن نجحت في كذا، أو تقول: فقدت كذا، لكن من أرزاقي كذا وكذا.
  • أو تجعله مقيداً بإطار زماني، لا على إطلاق الزمان: لم أنجح في كذا بَعْدُ (أي: حتى الآن).

كما يمكنك أن تسائل الفكرة: الحكم الذي في العبارة التي تحدّث بها نفسك أهي فكرة أم حقيقة؟ ستخبرك نفسك البصيرة عن تحيزاتك، وتستبصر فيه، والاستبصار الذي نقصده هو أن تنظر إلى فكرتك أو سلوكك نظر البصير به، العالم بنياته وقصده وشيء من دوافعه: هو قدرة فطرية في الإنسان تؤتيه استعداداً على تفحص سلوكه وتأمله تأمل المراقب له، والناظر إليه نظرة “أكثر موضوعية، وأن يكون على وعي بنفسه”. ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾

تهيئ لك هذه القدرة الفطرية الطريق لتستعين -إن أردت- بمزيد من العلم والتوجيه الذي ينفتح لك بها (بابٌ) من (الفهم). ومن هذا: أن تسأل صديقاً أميناً يريك مالا تراه من الصورة، أو تتنبه للنعم تقدّرها في دقائق (صغار الأشياء) يومك، أو تسأل مربياً، أو تتعلم أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، أو تستعين بالمجاز: القصص المجازية الرمزية التي تقول لك أن من طبع الإنسان أنه لا يرى ما عنده، ويتطلع لغيره، تكشف لك -بمرآة شخصيات القصة- كم نحن متلفتون لا ننظر إلى ما عندنا، وفيه كفايات.

تقول بعض النظريات أن مشكلاتناً، أو جلّها، مشكلات لغوية في المقام الأول، بتغيير اللغة -التي نتحدث بها عن المشكلة تتلاشى المشكلة، لأن اللغة هي العدسة التي ينظر بها العقل إلى الأشياء، والعقل يتكاسل أن يقوَّم نفسه إلا بعكّاز اللغة؛ تعينه اللغة وتقويه. ويقول ابن عطاء الله إن ذلك فهم (أي فكرة)، فخذ من اللغة ما تقوّم به مِعوج الفهم ومكسوره.

ولابد أن ابن عطاء الله كان “أكثر ثقة” بتسميتة المنع عين العطاء، لأنه جعل الآخرة “في المعادلة”، فهذا الحجم من “التغيير في المنظور” لا يكون إلا بوجود معنى متجاوزٍ صلبٍ متعالٍ، تتوجه إليه الغايات وينعقد عليه (المنظور).

أَليسَ كذلك؟


هوامش:

[1] ابن جني: الخصائص.

[3] القرطبي.

[5] Ivan Tyrrell, Joe Griffin, Gareth Hughes. Human Givens College Diploma Course Manual. 2022. pp.75 -77


المقال من (مدونة حصة)

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك