You are here:

كتبته: شهد فولاذخان*

القصة من أقوى أدوات التواصل وأقدمها في تاريخ البشرية. ولا تزال آثارها على النفس البشرية ثابتة حتى الآن، مع ظهور الذكاء الاصطناعي وتكرار أفكار الروايات، يؤكد علماء التسويق والتأثير على فعالية القصة وقدرتها على خلق المشاعر والانفعالات لدى المُنصِت. لكن ما يعنينا اليوم: متى أصبحت القصة من مجرد نقل للتراث أو ترفيه أو أداة تسويقية إلى وسيلة علاجية؟ وما الدروس التي نتعلمها من العدسة الإسلامية عندما نفهم هذا التاريخ؟

إذا نظرنا من التاريخ التسلسلي، نكتشف أن القرآن هو أوثق دليل على استعمال القصة في إصلاح النفوس وشفاء القلوب. فسورة يوسف نزلت على محمد ﷺ لتؤنسه وليتسلى بها في وقت كان شديداً عليه في مكة. حتى إن بعد مرور سنين من وقت نزول السورة، نرى النبي ﷺ يكرر نفس العبارة التي قالها سيدنا يوسف عليه السلام لإخوانه: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”.. يا لها من وقفة.. وهذا من أهم آثار القصة على الأمة، فبفتح مكة أسلم الكثير وحسن إسلامهم. وقصة موسى كانت منهجاً للمسلمين في التعامل مع الأزمات والانتقال من الخوف (إِنِّي أَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ) إلى الثقة واليقين بالله (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ). أيضاً سورة البقرة، من أوائل سور القرآن والتي تحتوي على الكثير من قصص بني إسرائيل، نرى أثرها على الصحابة في الصبر وعدم إكثار السؤال كوسيلة من الهروب من التكليف.. فعندما نزلت آية “وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ” استثقلها بعض الصحابة، وهنا نرى تعليم النبي ﷺ لهم وتربيته لهم عندما ذكّرهم بقصة أصحاب البقرة ونهاهم أن يكونوا مثلهم.. فصبروا وطبّقوا.. وبعد ذلك نزل التخفيف الرباني لهم.. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..

وقصة موسى والخضر أيضاً تعلّمنا الإيمان بالغيب والرضا والاطمئنان لما أراده الله سبحانه وتعالى حتى ولو لم نعرف السبب.

علّمنا القرآن وما زال يعلّمنا معاني الاستئناس والتأسي والاقتداء بالصالحين المصلحين واستلهام العبر من مواقفهم العظيمة.

في العالم الغربي، نرى ظهور القصة في الساحة العلاجية في أوائل القرن العشرين مع الدكتور كارل يونغ، حين تحدث عن قوة السرد والقصص. تحدّث أن في كل قصة نماذج (archetypes) تساعد الإنسان على الاقتداء بها والاستشفاء بها من خلال تكامل ودمج هوية النموذج بهوية القارئ. فتصبح لديه قدرة ومعرفة أوضح على فهم ما يجري في الداخل، والارتياح لوجود بعض الكلمات التي تصف الواقع.

وفي السبعينيات من القرن العشرين بدأت بذور ما يُسمّى لاحقاً العلاج السردي أو narrative therapy مع هارلين أندرسن وهاري غوليشيان، وهما من حثّا المعالجين النفسيين على استعمال لغة العميل ومصطلحاته في وصف ما يجري بداخله.. فبدلاً من استعمال مصطلحات طبية نفسية معقدة تحتاج إلى شرح وتفصيل، دَع العميل يشرح ما جرى له بنفسه..

ثم ظهرت النسخة التي تعرفها اليوم — العلاج بالسرد — لصاحبيه Michael White وDavid Epston. وفي أساسها، تساعد الفرد على صياغة قصته بعيداً عن ألقاب ومسميات المجتمع.. ومن أبرز أدواتها externalising أو الخَرجنة، التي تساعد العميل على فصل ذاته عن مشكلته.. فبدلاً من أن يقول “أنا مكتئب”، يقول “يؤثر الاكتئاب على حياتي”..

ومن المهم أن ندرك هنا المدرسة التي ينتمي إليها هؤلاء، فهم متأثرون جداً بالمدرسة الإنسانوية التي تتمركز حول الإنسان، وأيضاً ما بعد الحداثة، فلا يؤمنون بأن هناك حقيقة مطلقة.. وهذان المثالان من أبرز الاختلافات بين المدرسة السردية والنظرة الإسلامية للإنسان والبشرية والقصص..

لماذا نتحدث عن القصة؟ ما الذي يفيدنا ذلك؟

لاحظ المعالجون الذين يعملون مع الصدمات النفسية أثر القصة على العميل في التخطي والنمو. في دراسة قام عليها الباحث بنباكر، طلب من بعض الطلاب كتابة أصعب التجارب التي عاشوها، و تفاصيل القصة، مشاعرهم تجاهها، آلامهم، و طلب من الفريق الثاني تدوين يومهم بشكل عام. النتائج كانت ملفتة: الطلاب الذين كتبوا عن التجارب الصادمة رصدوا نسبة تحسّن أكثر ب٥٠٪ من الذين كتبوا عن يومهم. صحتهم تحسّنت، زياراتهم للعيادة قلّت. و السبب الذي ذكره احدى الطلاب أن الكتابة و رواية القصة ساعدته على فهم مشاعره و لماذا ينفعل.

التحدي في الحديث عن القصة أن العلاج الكلامي لا يُعالج كل شيء. و لذلك صدرت أساليب علاجية مختلفة تركز على الجسد أيضاً، و أصبح آلية التنقل من الكلام للجسد أو ما يسمّى بالpendulation أداة فعّالة في تخفيف آلام الصدمات النفسية.

بعد تأملّي لهذا الموضوع لسنين، أدركت لماذا العلاج الكلامي لا ينفع دائماً في مدارس الغرب: لأنهم يختزلون الدماغ إلى معاني العلم و التفكير و العلاج الذهني، ولا يدركون المعنى المتعلق بعملية التغيير و هو العقل و التعقّل. العقل هو ما يجعلنا نأخذ المعلومة و نتأثر بها و نربطها بواقعنا و نطبقها في حياتنا. المنهج الإسلامي يحثّنا على العلم و العمل بالقلب والجوارح.

لماذا يعنينا ذكر هذا الفرق؟ لأن الكثير أصبح متأثر بموجة الsomatic therapy أو العلاج النفسي الجسدي والذي نفع الكثير من المراجعين، لكن يجب أن نفهم سياق ذلك العلاج و لماذا احتجناه في العيادات الغربية. الانبهار اللا واعي بتلك الأساليب بإمكانها أن تجرّ الإنسان إلى معتقدات ضد الدين و خطرة على العقيدة مثل ممارسات اليوغا و التأمل البوذي و العالماني.

إذن، كيف أحكي قصتي كشخص مسلم عربي دون أن أكون ضحية للمدارس العالمانية والفلسفات الغربية؟

أرْوِ قصتك لنفسك أولاً

افهم نفسك جيداً دون أن تشعر أن هناك جمهوراً مستعداً للاستماع إلى أفضل نسخة تقدّمها للعالم. اعرف ما الذي جرى لك. ما هو تاريخ أهلك وأجدادك. ما الذي أثّر على حياتك حتى الآن..

اكتب يومياً.. من أجل مراجعة نفسك.. من أجل فهم تاريخك.. وحاول أن تركّز على الحقائق بدلاً من الإسقاطات والأحكام.. بدلاً من أن تقول إن لديك رهاباً اجتماعياً، اذكر المواقف المحرجة التي جرت.. في الغالب ستكتشف أن كثيراً من المسميات والقوالب التي نُسقطها على أنفسنا ليست في حقيقتها جزءاً من هويتنا، لكنها فقط قوالب وأنماط تقمّصناها بسبب تكرارها في محيطنا. لا تختزل نفسك في مسميات وقوالب.. احكِ قصتك بدقة وتضارب وشمولية حتى ولو لم تكن متسقة أو مفهومة..

هذا التدريب يساعدنا في فهم أنفسنا، فهم ضعفنا، فهم ما أحتاج العمل عليه، فهم ما الذي يعيقني في هدفي.. فهم هويتي. فهم الآثار المختلفة على نفسي من فلسفات وأفلام.. وتحفيز على مزاحمة تلك التجارب الضئيلة بعلم مفيد وأفكار واعية..

واحذر من الصوت الجلّاد أو الناقد الذي يريد رسم حياة سوداوية لك.. هو عادةً يريد أن يحميك من الشر الذي يظنه سيؤذيك، لكن في الحقيقة هذا الصوت يجلب الضرر. ولو تأمّلت قليلاً ستلاحظ متى بدأ الصوت الجلّاد ومن تأثّر منه..

والأهم من ذلك، تعلّم كيف تتغيّر إلى الأحسن من خلال قصتك، و هنا نأتي إلى مفهوم العقل و التعقّل. لا تجعل قصّتك مجرّد معلومات ترويها، بل اسمح لها أن تغيّرك. اربط القصة بتجارب أخرى، استحكم فوائد تجاربك في ممارساتك اليومية، استجمع نفسك من خلال كونك صادق مع نفسك و التخلي من تناقضاتك.

عندما تعرف قصتك، تعرف نفسك، وتعرف كيف تزكّيها و تقويها. قصتك هي من أقوى الأدوات لديك. لا تستهن بفهمها.


* معالجة نفسية وأسرية مرخصة، حاصلة على شهادة بكالوريوس في علم الأعصاب و علم النفس من جامعة تورونتو، و شهادة ماجستير في العلاج الأسري و الزوجي من جامعة جويلف.

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

تعليق واحد

  1. “عندما تعرف قصتك، تعرف نفسك”
    بوركت أحرفك شهد،
    كثيرة هي النصوص الإسلامية التي تعلمنا رواية القصة بشكل ينفعنا ويمدنا بصلابة نفسية أعلى، مثل الحديث “أنَّهم ذبحوا شاةً فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ما بقيَ منْها ؟ قلت ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها . قالَ : بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها”

    مقال جميل يترك صدى شكرًا لكم🍃

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك