You are here:

كتبتها: سارة الإبراهيم

 

الحمدلله أن عدّت فترة وساوسي الصعبة.

كم استغرقت؟ سنوات، توالت الفترات مع انقطاع.. ألتقط فيها أنفاسا أدّخره لحين عودتها فأخرجه زفيرا؛ يوسعني الحياة في خضمّها.

كانت نفسي التي أنا صاحبتها خائفة فأحاول تسكينها، خائفة من ماذا، وكيف أسكنها هنا كل الحكاية، لم أكن أفهم لغتها، كنت أسمعها تئن أنينا مشفرا لا أعي معناه فكنت أرد عليها بلغتي أيضا ولغتي عنها أعجمية وإن أوسعتها قولا وفعلا لا تعيه.

كنت أسمع نداءات في عقلي ونذارات تشي بخطر محدِق محتّم، إذا ما تجاهلت نداءاتها بالحذر والتوخي ستقع، فكنت أحاول تلبيتها، وإذا ما قصرت تهددني بوقوعها، فأنا ما بين محاولة توخي الحذر من خطر سيقع، وتبرير لخطر محتم هو واقع كما وشت به أفكاري، أحاول بتبريري إثبات عدم استحقاقي لتلك العقوبة، وإلى ذلك الحين الذي تقتنع به نفسي ببراءتها أظل أتأكد من أن العقوبة لم تدخل حتى الآن حيز التنفيذ، عبر أفعال أو أفكار قهرية، هي بالنسبة لي تهويدات كالتي يحتاجها الطفل لتأمينه مما يخاف مما لا يعيه ولا يعرف تأمين نفسه منه.

كان لا سبيل عندي لتسكين مخاوفي إلا عبر تهويدات التي هي ألحان محرفة من تلك التي اعتاد عليها الطفل الذي بداخلي، نسخة ألحان نشاز غير متفقة، صعبة الاستماع كصعوبة المشاعر التي تمر به ولا يفهمها فكان لزاما أن تكون تلك الألحان متناغمة مع حقيقة دواخلي، كانت تهويداتي عبارة عن تلك الأفعال التي تفتقد لعقل، في الوجه والجسد واللسان، ترتيب أطراف السجاد، مس الأسطح باليدين، ثم بعد بلوغي، تكرار الوضوء وسجود السهو والتكلف بنطق حروف، ثم في مراحل أخرى كانت تهويداتي عبارة عن استغراق قهري بالتفكير.

كنت أصاد بأي سنارة طُعمها مرض، عجز، فقد… أي فكرة/طعم من مكروه حتى لو كان خيالا، فلم أفرق بين خيال أو واقع، أنتظر العقوبة بقدر خوفي منها، كنت أحمل وليدا من خطر أنتظر ولادته ولا مخاض، فقط أكون مثقلة به أحمل همه وأعيش به، سنوات من المعاناة المجانية كما يسميها أستاذي، لم أسع بفك بنية الوسواس إلا قبل ثلاث أعوام تقريبا في عمر الثانية والثلاثين، وإن كان الوسواس قد بدأ معي في العاشرة تقريبا أو قبلها بقليل، ومن أول ما أذكر سجاد مزرعتنا التي تحتفظ أهدابها ببصمات أصابعي بسبب ما كنت أشغله من منصب مأمور تنفيذ لحكم بات صادر ضدي بوقوع مصيبة لي تتمثل بمرض قرأت عنه في صحيفة والدي الموضوعة على الطاولة بطريقة تكشف لي هذا الخبر، خفت من هذا المرض عندما قرأته ( وقد كنت أٌقرأ كل ما يقع أمام ناظري ) كأني أبحث عن مبرر لمخاوفي فما أجده يوافق خوفي أستدمجه بداخلي)، ثم خشيت على نفسي من أن يصيبني وحتى أحمي نفسي، صرت أرتب هدب كل سجادة تمر علي أو أمر عليها حتى أسمع نداء والدي، نحن في السيارة سنغادر، هنا يقهرني الزمان وما أحلى قهره عن قهر وساوسي.

ثم لا تسلني في أحقاب وساوسي القهرية عن كم الحركات التي أعملها بوجهي مصحوبة بألم وجداني لأنها تزامن صراعا، كإغماضة عين تزداد شدتها كلما ثقلت الفكرة أكثر، ومس الحائط بظهر اليدين، ثم في مرحلة أخرى توالي سجدات السهو وتكرار الوضوء، وأصبحت عادة تأصلت بي.. واصطحبت معها بقدر تجذرها الخوف؛ من أن تلتقطني عين متعافية من القهر تقهر الآخرين، فأنقهر على قهري.. نعم بي خطأ لا أود أن تروه ولا أجيد التعبير عنه.

وكان من ضمنها تكرار البسملة بنطق يخرق العادة، بخرقه ذاك كأني أود خرق الغيب فأرى قبول الله لاستعانتي به، أو بقدر صعوبة نطقها أحاول إخماد باقي الأصوات المزاحمة لها، فصوتي في نفسي غير مسموع.

 ثم في الثانوية أذكر أنها كانت فترة استقرار، المخاوف موجودة لكنها لم تتحول إلى وساوس قهرية، أظن لانشغالي بالدراسة فكنت متفوقة مجدة، غير مشتتة همّي المعدّل والفهم والنتيجة، فعرفت أن العمل مهم في صرف الوساوس، فإذا لم تصرف طاقتي فيه استحالت وسواسا قهريا.

 كذلك غابت الوساوس في الجامعة وظننت غيابها رحيلا ففهمت بعدها أن ليس كل غياب مبني على إرادة الغائب وحده، كان لإرادتي دور في وصد الباب دونه دون أن أدري. ثم يكون لإرادتي دور في عودته بمواربة الباب له، يعلم فيه أن هناك مولجا يلجه.

ثم كانت وساوس الرهاب، كان رهابا وسواسيا، أخاف أن أفلت زمام جوارحي، أو تثور علي أفكاري، أو أن تتشظى ملامح وجهي فيروا خوفي وضعفي، وصرت أرى بيني وبين الناس حاجزا من وهم، لا أستطيع وصل عيني بأعينهم وإن حاولت فوصل النظر لغة، وأنا لا لغة لي في هذه الوقت إنما الحديث حديث الوساوس ولغتها الخوف.. كنت أرى غضّهم لأبصارهم إكراما لي من أن يروا عوراة نفسي، كان يتمثل لي الوهم واقعًا..

ثم أتت ليلة القمر المظلم، التي حالت فيها كل المعتقدات والمسلمات والمعارف إلى أعشاش للشك والوساوس، تشكيك مستمر في كل شيء، إيعاد بالفقر من كل شيء، في الدين والنفس والحياة والتاريخ، والعلم، لا أستطيع أن أقتنع عقلا بشيء، صراع دائم في النفس! ماذا يبقى لي إن فقدت الدين! أقول مستحيل لا يعقل أن يكون ما جربته من لذة الإيمان وهمًا.

أبكي من شدة سطو الأفكار على رأسي ودموعي تفضح ما عجز لساني عن الإتيان بكلماته.. آذيتني.. فارقيني.. ما أفعل بحالي، حاولت ردها وكلما أمعنت في الرد توغلت أكثر.. حتى صرت أخشى تمثّلي لها.

كنت في تلك الفترة أستيقظ وأنام على دقات قلب بفأس! أقيس إيماني كل صباح، أصيح بعقلي هل اختلست مني بضعا من إيماني! فأعلم أني باقية على الإيمان في هذه اللحظة ولكني أيضا خائفة، فقد يسطو علي إن لم ينجح بالاختلاس، حتى أتت اللحظة الفارقة بفضل الله، كانت تلك اللحظة بمثابة إعطائي المعول، كان علي فقط الضرب بيداي، كان يوم عرفة وكنت أصارع وساوسي أحاول إبعادها كي يصفو لي الدعاء، هاتفت أمي وأنا أنوح نواحًا كأن أحدا سلب مني حقي بالإيمان! فتلت علي: “وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ” .. جفّت دموعي، الأمر بيدي، أسمع صوتا يقول، لن تحملي فتهدهدي.

نعم لن أحمل فأهدهد، ولن يطبطب علي أحد، علي أن أسعى بالجد والعمل، قطع لحبل الفكرة، رفع لثقلها بجهد كبير جدا ما إن تحاول التسلط علي، نفض لنفسي لعل الأفكار تنفضّ من عقلي، لا أصارع الفكرة، إنما نفسي من ألا تكفّ عن العُدُوّ، أحتاج أن أعدو لكيلا يدركني العَدوّ..

أسبغت علي أمي وصفًا لما أنا فيه فقررت أن أجابه اتهامات الوساوس، ليس بمناقشتها لأبرر موقفي فهذا يقويها، إنما برد اعتباري لنفسها بوصفها حرة مختارة بدل أن كانت مجرد مأمور تنفيذ، كنت أقول: إذًا لا تخافي من أن تقضي بنيان الوسواس فلن يسقط على رأسك، كان أمامي إما الاستسلام للصراع وأن أصبح جزء منه أو النظر في حقيقته والتحديق فيه ليس بعين الخائف إنما المريد المتصرف.

وفُتح لي بعد ذلك باب استشارة مختص نفسي، فكلمته، وأخبرته أني أعاني الأفكار السلبية، وشرح لي الأفكار التي تأتي للنفس، وأنها ليست مني وإنما تسمى أفكارا تلقائية، أو تنبؤات، أسهب في الشرح وتدريبي على تمرين كلفني بالاستمرار عليه خلال أسبوعين ثم أهاتفه مرة أخرى للمتابعة، وهو أن أكتب تلك التنبؤات التي تأتي بها تلك الأفكار، ثم أكتب ردها وأطمئن نفسي من ذكر حقيقة حالي، سطرين أو أقل ، أرد ثم أتجاهل، إذ لا يمكننا تجاهل أمرِ نحذره. هذا ما قاله لي.

 

 واحتفظت بدفتر صغير أحمله في كل مكان ‘ كلما داهمتني فكرة أخرجته والقلم وسطّرتها وردها _وأقول داهمتني، كناية عن القوة والهجوم، لأن في وقت لاحق لن تختفي هذه الأفكار لكن أستطيع تمييزها وتجاوزها قبل أن تستقر_ كنت أحمله كل مكان أكتب فيه كل فكرة تحاول فتح باب صدري للوغول فيه.

فما كان مني بحمد الله إلا أن عرفت القوة، وعرفت أنها وهم.. بمجرد كتابتها أعرف حجمها وحقيقتها، أقدر على رؤيتها وتوصيفها وأفصلها عني، ثم بعد أيام عندما هاتفت أمي استبشرت بصوتي، عادت لي نفسي بعد أن كانت مأخوذة بالوساوس؛ أخذ الرجل خطام دابته، واستمريت بفضل الله على هذا الحال وتفتحت لي أبواب التعافي ومعرفة النفس والوعي بها وأنا في سبيل هذا إلى الآن، فلا يعني حكيي أني تخلصت منه أو أنه فارقني، إنما أجيد التعامل معه بعد أن فهمته؛ أسبابه، أسلوبه، بنيته، لا أظن أن خبرة السنوات الطوال التي تقارب ال25 عاما كانت كفيلة بكشف خباياه، لكن العلم عنه.


تعليق الموقع:

ليست في رواية التجارب دعوة إلى أن تكون التجربة بديلاً عن مراجعة مختص أو عن العلاج الدوائي اللازم.

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

3 تعليقات

  1. قريت المقال وبجيت .. لأنّ الكلام هذا عشته فترة طويلة جداً وكنت أسيرة لأفكاري وأوهامي وكنت مُقيّدة .. رهينة للخوف والأفكار… بعد جلسات عند استشارية عرفت إنّي حسّاسة وعرفت إنّي كنت أفكّر بكل كبيرة وصغيرة وكنت حتى لو وسط النّاس بالي ما يهدى … بجيت لمّا قريت المقال قلت الحمدلله يا رب إنّي عدّيت هالمرحلة ويا رب يهدّي بالنا جميعاً يا رب ويعينّا ويقوّينا على أنفسنا ويبعد عنّا وساوس النّفس والشيطان … وشكراً لصاحبة المقالة …ونتذكر إنّ كل ما تقربنا من رب العالمين ولجأنا إليه أعانّا وهدانا وسهّل أمورنا بإذنه…

  2. من النادر أن نقرأ تجارب شخصية داخلية بهذه الشجاعة، شكراً سارة!

    هذه التجارب تضيء الطريق للكثير، وإن ساروا فيه بصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك