جريمة تضييع الوقت بلا فائدة ومأساة التصفح الرقمي
أنت تخون نفسك مع كل مقطع قصير على إنستغرام
كتبتها: L
ترجمة: موقع (كالنبتة)*
من أنت حقًا؟ وماذا تكون دون الأشياء التي تحبها؟ كان الناس فيما مضى فلاسفة، أو قرّاء، أو رياضيين، أو فنانين. فقد يُقال عن شخص مسجّى في نعشه يوم جنازته إنه كان مفكرًا عظيمًا، أو خطيبًا بارعًا، أو ركيزةً في مجتمعه، أما الآن فلا يوصف معظم الناس بأي شيء في ذات المقام لأنهم لا يفعلون أي شيء في حياتهم على الإطلاق. ألم تلاحظوا أن منصة «بوكتوك» تعجّ بأشخاص يقرّون بأنهم لم يقرأوا 80% من الكتب التي يشترونها؟ وألم تلاحظوا أن معظمنا يقضي ما يزيد على ثماني ساعات يوميًا يتصفح هاتفه، في تمرير شريط لا ينتهي من اللاشيء؛ فنشاهد مقطعًا تلو الآخر لأشخاص يتضاحكون، أو لثنائي يفعل شيئًا ما، أو لحيوان يقضم الخس أمام ميكروفون، وهي مقاطع لم يكن ليخطر لنا أصلًا أن نبحث عنها.
لكن ما الضير في ألّا نفعل شيئًا طوال اليوم؟ في أن نتصفح حين نستيقظ، وقبل أن ننام، ونحن جالسون على مكاتبنا في العمل، وأثناء جلوسنا في الحافلة أو عندما نكون عالقين في زحام السير
ماذا تحب أن تفعل خارج المدرسة أو العمل؟ ربما التصوير، أو الاعتناء بالحديقة، أو لعب كرة السلة. والآن، ماذا تفعل بالفعل خارج المدرسة أو العمل؟ لا شيء! هذا التفاوت هو جوهر المشكلة: مأساة الاستهلاك الرقمي التي ابتُلي بها يومًا كل من هم دون العشرين في عصر اليوتيوب، ثم باتت اليوم ابتلاء يصيب أمك وجداتك. أن تحب شيئًا لا يعني أن تمارسه، وحتى أرسطو أدرك أن الشخصية لا تُبنى من التفضيلات وحدها، بل من الأفعال. امتلاك الكتب ليس قراءة، ومشاهدة محتوى اللياقة البدنية ليست تمرينًا، وحفظ وصفات الطهي ليس طبخاً. وبالنسبة إلى كثيرين، حلّت “الهوية بالانتساب” محل الهوية بالممارسة. فكيف تتوقع أن تجيد شيئًا يومًا ما إن لم تستثمر وقتك فيه، بل أهدرته على مقاطع يوتيوب القصيرة وصور التواصل الاجتماعي؟
لقد كتبت، وسأظل أكتب بلا نهاية، عن الطرق التي تدفعنا بها مجتمعاتنا الرأسمالية إلى هذه المأساة؛ عن نوبات العمل المضنية عديمة المعنى، الممتدة لثماني ساعات نقضيها في التحديق في جداول البيانات أو شرح معنى تواريخ انتهاء القسائم لعملاء غاضبين، فتتركنا منهكين وبدون هدف أو إلهام في حياتنا؛ وهنا يبدو الوقت الذي نقضيه في الاستهلاك الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي أو في عدم فعل شيء وكأنه استراحة من الرأسمالية.
يستنزف العمل حيويتنا ويغرّبنا عن قدراتنا الإنسانية؛ ولذلك غدونا جميعًا روبوتات تستعبدها الأجور، بلا أفكار أو آراء أو هوايات تخصنا، ولا يبدو أن أحدًا منا يفعل شيئًا على الإطلاق. ألا يؤرّقك موت ذاتك؟ ألا يقلق أحدًا محو فردية مجتمع بأسره؟ نعلم أن تقنيات التواصل الاجتماعي تحولت إلى أدوات استنفاذ ذواتنا ومن ثم أوقاتنا؛ قد انتزع منا “الكينونة البشرية” نفسها، فلم يبق من “الكائن البشري” سوى “البشري”، وقريبًا قد لا يبقى حتى ذلك.
كان النصف الثاني من القرن العشرين حافلًا بجهود واسعة لترسيخ تفرّد الإنسان داخل المجتمع، وكان الناس آنذاك لا يزالون يمارسون هواياتهم. أما اليوم، فتُحوَّل نتاجات تلك الحركات البديلة إلى أصنام استهلاكية، أي تُنتزع من شروطها وسياقاتها الفكرية. وسيشاهد الملايين مقاطع بعنوان “مجموعة فتيات يواعدن عشرة شبان لطفاء” تتنكر في هيئة محتوى مواعدة تافه، بينما هي في الحقيقة، وعلى نحو أخبث، كما أن ملايين من البشر تستهلك شذرات من المحتوى الفارغ عبر مقاطع تيك توك وإنستغرام الرائجة، وهذه الملايين نفسها ستشاهد ثلاثين ثانية من 500 مقطع أو فيلم أو مسلسل آخر لم يخطر لها سابقًا أن تبحث عنه، ولن تنوي مستقبلًا أن تشاهده كاملًا.
فلنستهلك إذن كل شيء، حتى أتفه أشكال “الترفيه” وأقلها إثارة للفكر، في صورة دفقة دوبامين لا تتجاوز 15 ثانية، ولندع مقاطع الفيديو التي يُفترض أن تكون ترفيهًا تؤدي في الحقيقة وظيفة إعلانات لمواد تافهة. وبالطبع، ليس الترفيه رذيلة في ذاته، لكن تحسين كل مادة إعلامية لتمنحنا تحفيزًا فوريًا يضعف حتمًا قدرتنا على التفاعل المستدام معها، وهو في الحقيقة الآفة التي تلحق بمحتوى الترفيه.
ثمة قدر هائل من الموت الروحي والفكري في تحويل كل مادة إعلامية إلى صيغة قصيرة. نحن نخون أنفسنا حين نخصص كل دقيقة من كل ساعة في وقت فراغنا، لا لانعدام التفكير فحسب، بل للعدم نفسه. وفي تقديري، يرتبط هذا ارتباطًا لا ينفصم بتطبيع التسويف على نحو متزايد، فكل فعل صغير كان يؤلّف يوم الإنسان صار الآن يُؤجّل لمشاهدة محتوى تافه، أجدني مضطرًا إلى تكرار أن الاستهلاك الرقمي ليس المشكلة في حد ذاته؛ فحيث يوجد إبداع، لا بد من وجود استهلاك للمحتوى النافع. فالمشكلة والمأساة هي ذلك الاستهلاك القهري الأعمى للمحتوى الرقمي غير النافع الذي أسلمنا إليه أيام حياتنا.
ووراء ذلك كله شيء أشد ظلمة من التشتت نفسه: تطبيع خيانة الذات، ففي حين نفشل في أن نحقق ذواتنا -أي في أن نمارس أي شيء نافع بما يكفي ليرسخ في كياننا- نروي هذا الفشل بوصفه أمرًا غير مؤذٍ، ومضحكًا، وحتميًا، مما يشجع الآخرين على التماهي معه، ثم نصنع مزيدًا من المحتوى القصير الخالي من التفكير عن هذا العجز. وهكذا، وبينما نهدر حياتنا جماعيًا، نطبّع هذا الهدر حتى تكتمل الدائرة، فنعود إلى الحلقة نفسها التي تسرق دقائق حياتنا أصلًا.
وأكثر من ذلك، تكشف الحضارة عن حقيقتها، فلقد جعلت حضارتنا التشتت المزمن أمراً عاديًا، وجعلت تشظّي الانتباه عاديًا وجعلت العجز عن الجلوس بهدوء أمرًا عاديًا، والعجز عن قراءة صفحة من دون تفقد شاشة أمرًا عاديًا، والعجز عن تحمل الصمت أمرًا عاديًا. والأشد إثارة للرعب أنها جعلت التخلي عن إرادتنا يبدو طبيعيًا. لو اعترف شخص في عصر آخر بأنه يقضي ست ساعات كل يوم محدقًا في صور سريعة التبدل لم يخترها، بينما يهمل طموحاته الشخصية، لبدا ذلك كدخول السجن، أما اليوم، فهو مجرد أمر اعتيادي في حياة الناس.
لم يُهيّأ الإنسان لهذا القدر من السلبية. نحن كائنات جُبلت على الجهد، والوجهة، والتفاني، والذاكرة، والحرفة. ثمة كرامة في أن يكرّس المرء نفسه لشيء يفعله ويتقنه: خشب يجب نحته، وتربة يجب تقليبها، ولغة يجب إتقانها، وعضلات يجب تدريبها، ومجتمع يجب خدمته. المقاومة تصنع الشخصية، لكن السوق الرقمية أزالت كل مقاومة عدا مقاومة التوقف؛ فكل شيء لا يتطلب جهدًا إلا الإفلات. ولأن الجهد يغيب أكثر فأكثر، يغيب معه الفخر: ذلك الرضا الهادئ الناجم عن إنجاز شيء صعب وحقيقي؛ أن تنهي كتابًا، أو تصلح حوضًا، أو تطهو لأصدقائك، أو تُبقي حديقة مترعرعة طوال الصيف، أو تصبح شخصًا يُعتمد عليه. هذه الأشياء تصنع ذاتًا لا يستطيع أي منشور، أو تنسيق جمالي منتقى بعناية، أو محتوى رقمي أن يحاكيها. قارن هذا الشعور بالفراغ الذي يعقب ثلاث ساعات من التصفح. أحدهما ينمّي ذاتك؛ والآخر لا يترك فيك أثرًا. لا يعني أي من هذا أن على المرء أن يتقشف أو يرفض المتعة، فالترويح عن النفس ليس العدو، والترفيه ليس العدو، وحتى الخمول له مكانه. العدو هو أن تستعمر أنظمة رقمية مصممة لمنع التعلم والتدبر كل وقتنا غير المنظّم، فتؤخر بذلك الفعل إلى ما لا نهاية. العدو هو أن ننسى أن وقت الفراغ كان يومًا المساحة التي يحقق فيها الإنسان ذاته.
لذلك -أرجوكم- من أجل خلاص البشرية نفسها، انهضوا، واتركوا هواتفكم، وافعلوا شيئًا.
تُرجم المقال وحُذفت عبارة منه لاعتبارات أخلاقية
قرأت عن المقال في مدونة أحمد مشرف الذي ترجم مقاطع منه.




