You are here:

كيف ينقذنا المجاز؟: قوة المجاز اللغوي

قوة المجاز اللغوي وكيف تستخدمه لتعيد صياغة قصة حياتك

كتبتها آرميتا. م. م. سِبانتا*

ترجمة موقع (كالنبتة)

لا يقتصر المجاز اللغوي على كونه محسناً بديعياً يستخدمه الشعراء والكتّاب فحسب، بل يعتبر أداة لغوية قوية تشكّل فهمنا للعالم وتجاربنا فيه. وفي مجال علم النفس، يمكن للمجاز اللغوي أن يؤثر في كيفية فهمنا لقصص حياتنا، وكيفية تعاملنا مع تحديات الحياة، وتحقيقنا للتطور الشخصي.

وتسلط هذه المقالة الضوء على قوة المجاز اللغوي وتستعرض استراتيجيات عملية لاستخدامها في إعادة صياغة قصة حياتنا.

لأجل فهمٍ للمجاز اللغوي

ما المجاز اللغوي؟

المجاز هو أسلوب بلاغي يُستخدم لوصف شيء ما من خلال ربطه بشيء آخر، مما يخلق مقارنة ضمنية بينهما، وتساعدنا هذه الأداة الأدبية على فهم بعض المفاهيم المعقدة من خلال ربطها بأفكار أكثر بساطة وسهولة في الاستيعاب (لاكوف وجونسون، 1980). فعلى سبيل المثال، عندما نصف الحياة بأنها “رحلة”، فإن ذلك يوحي بأن لها مسارًا واتجاهًا وغاية، مما يساعد الأفراد على فهم تجاربهم والتعامل معها بمعنى عميق.

المعنى النفسي للمجاز

تتجذر المجازات اللغوية بعمق في عملياتنا المعرفية؛ فهي تشكل أفكارنا وتصوراتنا وسلوكياتنا من خلال توفير إطار لغوي لفهم المفاهيم المجردة، كما تشير الأبحاث في مجال اللغويات المعرفية وعلم النفس إلى أن المجازات اللغوية تؤثر في طريقة تفكيرنا وتواصلنا، كما تؤثر في مشاعرنا وسلوكياتنا (جيبس، 1994؛ لاكوف، 1993).

الاستخدام العلاجي النفسي للمجاز

في العلاج النفسي، يمكن للمجاز اللغوي أن يسهّل فهمنا وإحداث التغيير من خلال مساعدة الأشخاص على تغيير منظورهم لتجاربهم وتطوير زوايا نظر جديدة ينظرون بها إليها، ويعتبر العلاج النفسي بالمجاز اللغوي أسلوباً مستخدماً في عدة مناهج علاجية، لتعزيز التعافي النفسي والنمو الشخصي (سيجلمان، 1990).

فوائد استخدام المجاز

(1) تعزيز الفهم

يبسّط المجاز معاني المشاعر والتجارب المعقدة، مما يجعلها أكثر قابلية للفهم وللتعامل معها، كما يمكن للأفراد اكتساب فهم أعمق لتجاربهم الشخصية واكتشاف حلول لمشكلاتهم من خلال مقارنة المشاعر المجردة بصور ملموسة (ليفين، 2003).

مثال: يساعد وصف القلق بأنه “عاصفة” الأفراد على فهم عُمق مشاعرهم واضطرابها، ويساعد كذلك في إدراك طبيعة هذه التجربة.

(2) تسهيل التعبير العاطفي

توفر المجازات اللغوية وسيلة سهلة وغير مباشرة للتعبير عن المشاعر الصعبة، كما تساعد الأفراد على التعبير عن مشاعر قد تكون مؤلمة أو قوية إلى درجة يصعب التعبير عنها بصورة مباشرة (كوب وإكشتاين، 2004).

مثال: قد يصف شخص يعاني من الحزن حالته بأنه يرى “سحابة داكنة” تلاحقه، مما يتيح له التعبير عن حزنه دون الشعور بالهشاشة العاطفية.

(3) تعزيز التغيير المعرفي والسلوكي

يمكن للمجاز اللغوي أن يعيد صياغة الأفكار والسلوكيات السلبية، مما يشجع على التغيير الإيجابي، ومن خلال تغيير أسلوب السرد الذي يتبناه الفرد، يمكنه تطوير طرق جديدة للتفكير والتصرف تدعم أهدافه ورفاهيته (ستوت وآخرون، 2010).

مثال:  يمكن أن يشجع التعبير عن التجارب القاسية على أنها “منعطف” بدلاً من “فشل” على الاستمرار في جهودهم واستكشاف طرق بديلة للوصول إلى النجاح.

استراتيجياتٌ عملية لاستخدام المجاز اللغوي

  • تحديد المجازات الشخصية

للاستفادة من قوة المجاز اللغوي، ابدأ بتحديد المجازات التي تستخدمها بالفعل لوصف حياتك وتجاربك، وتأمل في العبارات والصور الذهنية الشائعة التي تظهر في حديثك مع نفسك وفي محادثاتك اليومية.

مثال: لاحظ إذا ما كنت تصف حياتك باستمرار بأنها “معركة”، أو “سباق”، وفكر في كيفية تأثير هذه المجازات في تصوراتك وسلوكياتك.

  • ابتكار مجازات جديدة

ابتكر مجازات جديدة تتوافق مع أهدافك وقيمك، واختر صوراً ذهنية تلهمك وتمكّنك من تغيير منظورك للتحديات وتصورك للنجاح.

مثال: بدلاً من التعبير عن الحياة بأنها “صراع”، يمكنك أن تنظر إليها كـ “حديقة” تحتاج إلى الرعاية والاهتمام، وهو ما يوحي بالنمو والإمكانات الكامنة.

  • استخدام المجاز اللغوي في تحديد الأهداف

استخدم المجاز أثناء وضع أهدافك لخلق صور ذهنية واضحة ومحفزة، ويمكن أن يعزز ذلك التزامك ومثابرتك من خلال جعل أهدافك أكثر وضوحًا ومعنى.

مثال: إذا كان هدفك تحسين صحتك، فقد تتخيل نفسك “رياضيًا” يستعد لخوض “ماراثون”، مع التركيز على الانضباط والقدرة على التحمل اللازمين لتحقيق النجاح على المدى الطويل.

  • استخدام المجاز في حل المشكلات

استعن بالمجاز اللغوي للنظر إلى المشكلات من زوايا مختلفة وتوليد حلول إبداعية؛ فيمكنك التحرر من أنماط التفكير الجامدة، واكتشاف إمكانات جديدة خلال تأمل القضايا من منظور مجازي.

مثال: إذا كنت تواجه تحديًا مهنيًا، فقد تشبهه بـ«اجتياز متاهة»، مما يدفعك إلى استكشاف مسارات واستراتيجيات متعددة حتى تصل إلى الطريق الصحيح.

  • استعمال المجاز اللغوي في الحياة اليومية

اجعل المجاز جزءًا من تأملاتك الذاتية وتواصلك مع الآخرين، واستخدمه للتعبير عن تجاربك، وتحديد نواياك، والحفاظ على عقلية إيجابية.

مثال: ابدأ يومك باختيار مجاز لغوي يعكس طموحاتك، مثل “الانطلاق في مغامرة”، وذكّر نفسك به طوال اليوم لتحافظ على حماسك وانخراطك فيما تقوم به.

أمثلة على المجازات التي يمكن أن تستخدامها لتغيير حياتك

الحياة كرحلة

يؤكد مجاز “الرحلة” على التقدم للأمام والنمو الشخصي، وهذا يشجع الأفراد على النظر إلى تجاربهم كجزء من مغامرة أكبر، حيث تسهم كل خطوة في تطورهم الشخصي.

التطبيق: استخدم هذا المجاز لإعادة تأطير الصعوبات الحياتية بوصفها فرصًا للتعلم، وللتركيز على أهدافك بعيدة المدى رغم التحديات قصيرة المدى.

العقل كحديقة

إن النظر إلى العقل باعتباره “حديقة” يوحي بأن الأفكار والمشاعر تحتاج إلى الرعاية والاهتمام المستمرين، ويعزز هذا المجاز اليقظة الذهنية والتعاطف مع الذات، ويشجع الأفراد على تنمية الأفكار الإيجابية واقتلاع الأفكار السلبية كما تُقتلع الأعشاب الضارة من بين أشجار الحديقة.

التطبيق: مارس التأمل الذهني وتمارين التعاطف مع الذات للعناية بـ “حديقتك” العقلية، مما يعزز عقلية أكثر صحة وتوازنًا.

المشاعر كالطقس

إن تشبيه المشاعر بـ “الطقس” يبرز طبيعتها المؤقتة والمتغيرة، وتساعد هذا المجاز اللغوي الأفراد على تقبّل مشاعرهم والتعامل معها دون أن تطغى عليهم أو أن يعرّفوا أنفسهم من خلالها.

التطبيق: ذكّر نفسك بأن “هذا أيضًا سيمضي” أثناء العواصف العاطفية، وركز على الاستراتيجيات التي تساعدك على تجاوز الاضطرابات الانفعالية.

التحديات كالجبال

إن النظر إلى التحديات على أنها “جبال” يجب تسلقها يعزز الصمود والمثابرة. ويشجع هذا المجاز الأفراد على تقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للإنجاز والاحتفال بالتقدم المحرز على طول الطريق.

التطبيق: ضع أهدافًا تدريجية واحتفل بالإنجازات الصغيرة وأنت “تتسلق” نحو أهدافك الكبرى، مع الحفاظ على الدافعية والحماس.

خلاصة

تكمن قوة المجاز في قدرته على تغيير الطريقة التي نفهم بها تجاربنا ونتفاعل معها، ويمكننا إعادة صياغة قصصنا الشخصية من خلال استخدام المجاز اللغوي، وهذا يساعد في تعزيز قدرتنا على التأقلم والتكيف وتحقيق أهدافنا، وسواء نظرنا إلى الحياة بوصفها “رحلة”، أو إلى العقل بوصفه “حديقة”، أو إلى التحديات بوصفها “جبالاً”، فإن هذه المجازات يمكن أن توفر لنا الإرشاد والإلهام في مسيرتنا نحو تطوير الذات وتحقيق الرضا الذاتي والكتفاء الشخصي.


مراجع المقال

  • Gibbs, R. W. (1994). The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge University Press.
  • Kopp, R. R., & Eckstein, D. (2004). Using early recollections to enhance metaphor work in Adlerian therapy. Journal of Individual Psychology, 60(2), 204-216.
  • Lakoff, G. (1993). The contemporary theory of metaphor. In A. Ortony (Ed.), Metaphor and Thought (2nd ed., pp. 202-251). Cambridge University Press.
  • Lakoff, G., & Johnson, M. (1980). Metaphors We Live By. University of Chicago Press.
  • Levin, S. (2003). Transformational metaphor. Journal of Clinical Psychology, 59(8), 909-920.
  • Siegelman, E. Y. (1990). Metaphor and Meaning in Psychotherapy. Guilford Press.
  • Stott, R., Mansell, W., Salkovskis, P., Lavender, A., & Cartwright-Hatton, S. (2010). Oxford Guide to Metaphors in CBT: Building Cognitive Bridges. Oxford University Press.
  • Taylor, S. E., & Pham, L. B. (1996). The effects of mental simulation on goal-directed performance. Imagination, Cognition and Personality, 15(4), 289-310.

* حاصلة على الماجستير في علم النفس

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك