You are here:

عن أثر الصور ووسائل التواصل على نفوسنا

د. حصة حسن الهنيدي

د. نورة العتيبي

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد فضاءات ترفيه أو تفاعل اجتماعي عابر، بل تحوّلت إلى بيئة نفسية متكاملة تعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وعلاقاته بالعالم.
تقول إحدى الصديقات في حديث متأمل:

صار الإنسان اليوم يقيس نفسه بما يراه لا بما يعيشه، فالصورة صارت مرآته التي يحاكم بها نفسه والآخرين.


هذا الإدراك العفوي يتقاطع مع ما توصّلت إليه دراسات علم النفس الحديثة من أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل, خصوصًا المنصات المرئية مثل إنستغرام وتيك توك، يرتبط بارتفاع مؤشرات القلق والاكتئاب وضعف الرضا عن الذات، لا سيّما حين يكون الاستخدام قائمًا على التصفّح الصامت والمقارنة المستمرة.

تفسّر هذه الدراسات الظاهرة بآليات عدّة؛ أبرزها ما يسمّى بـ المقارنة الاجتماعية الصاعدة، أي حين ينظر الإنسان إلى من يراهم أكثر نجاحًا أو جمالًا أو سعادة، فيتولّد شعور بالنقص أو التقصير.
الأمهات اللواتي يتابعن “بلوغرز الأمهات”، على سبيل المثال، يصفن إحساسًا دائمًا بأنهن متأخرات عن غيرهن في تربية الأبناء أو تنظيم الوقت أو الاهتمام بالمظهر.

في الواقع، هذا الشعور لا ينبع من نقص حقيقي بقدر ما هو نتاج لمعايير مثالية تُنتجها الصورة المصقولة التي لا تعبّر عن الحياة كما هي، بل كما تُقدَّم لتُرى.
تُظهر الأبحاث كذلك أن التعرض اليومي لسيل من الصور والمقاطع القصيرة يستثير في الدماغ موجات متتالية من الإثارة والانفعال، تشبه اندفاع الأدرينالين، ثم يعقبها خمول وفتور. ومع تكرار هذه الدورة يتعوّد الإنسان على إشباع حاجاته الانفعالية بصورة فورية دون جهد حقيقي، فيفقد شغفه بالحياة الواقعية وقدرته على التركيز الطويل. هذا ما يُعرف في الأدبيات النفسية الحديثة بـ “الإنهاك الرقمي” أو Digital Fatigue، الذي يؤدي إلى فقدان التوازن الانفعالي وتراجع القدرة على الاستمتاع باللحظة الحقيقية.

لقد لاحظنا أيضاً أن كثرة التعرض للصور تشعر الإنسان لعدم الرغبة في العمل والإنتاج, لأنه حقيقة وبالنسبة إلى كثرة التعرض يصبح لديه شعور بأنه لا حاجة له بالعمل والحركة والإنتاجية, تلك الملاحظة تختصر حقيقة علمية أثبتتها دراسات الذاكرة الإدراكية، وهي أن الصورة تترسخ في الذهن أكثر من الكلمة، فيما يُعرف بـ Picture Superiority Effect، إذ يخزّن الدماغ الصورة في قناتين: بصرية ودلالية، بينما يعالج الكلمة في قناة واحدة فقط. لذلك تكون الصورة أكثر قدرة على استدعاء الانفعال والذكريات. ولهذا لم يكن غريبًا أن يقول القدماء: “الصورة تغني عن ألف كلمة”، لأن أثرها النفسي أعمق وأطول مدى.

لكن هذه الحقيقة العلمية، حين تُقرأ في ضوء مقاصد الشريعة، تأخذ بعدًا تربويًا وروحيًا أعمق. فالشريعة لم تغفل أثر البصر في تشكيل الوجدان، بل جاءت بتوجيهات دقيقة لضبطه. يقول تعالى:

(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى)

النص القرآني هنا لا ينهى عن النظر لذاته، بل عن تحويل النظر إلى أداة مقارنة تُفسد الرضا وتستدعي الهم، وهو ما يتطابق مع جوهر التحذير الذي تصدره اليوم مدارس علم النفس الاجتماعي حين تربط المقارنة الدائمة بانخفاض تقدير الذات وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب. فالمقصد القرآني في ضبط النظر هو حفظ النفس من المقارنة المولدة للهمّ، وهو مقصد نفسي وإنساني بامتياز.
وليس غضّ البصر في الإسلام محصورًا في مواضع العفّة، بل يمتد ليشمل حماية النفس من كل ما يثير اضطرابها ويشتت صفاءها. الصورة بما تحمله من كثافة حسّية تملك قدرة على النفاذ إلى القلب بسرعة تفوق النصوص والكلمات، ومن ثم فإن تقنين التعرّض لها ليس انغلاقًا، بل حفاظ على التوازن الداخلي. يقول تعالى:

(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم)

إن كلمة (أزكى) هنا تشير إلى المعنى الأعم للتزكية: تطهير النفس من المؤثرات التي تفسد صفاءها، وفي عالمٍ تُغمر فيه الأبصار كلّ لحظة بمئات الصور، يصبح غضّ البصر نوعًا من الصوم البصري، أو ما يسمّيه علماء النفس اليوم بـ “الصوم الرقمي” Digital Detox؛ امتناع مؤقت عن المثيرات بغرض استعادة صفاء الذهن وتنظيم الإيقاع النفسي. وقد أظهرت مراجعات علمية أن فترات الانقطاع المنتظمة عن الشاشة تحسّن جودة النوم وتقلّل مستويات التوتر وتزيد الرضا عن الحياة.

في التراث التربوي الإسلامي، نجد صدى هذه الفكرة في مبدأ ( التخلية قبل التحلية) أي إفراغ النفس من الشوائب قبل ملئها بالمعاني. الامتناع هنا ليس حرمانًا بل تزكية، و(العطاء في المنع) كما يقول أهل السلوك؛ إذ لا تنمو النفس إلا إذا أُعطيت فسحة للصمت والسكينة، فكما يحتاج الجسد إلى صومٍ عن الطعام ليستعيد عافيته، تحتاج النفس إلى صومٍ عن الصور والمثيرات لتستعيد توازنها.

من هذا المنطلق، يصبح التعامل مع وسائل التواصل مسؤولية أخلاقية ومقاصدية في آن واحد، فالإفراط في النظر والاستهلاك ليس شأنًا فرديًا فحسب، بل مساسًا بمقصد حفظ النفس الذي يُعدّ من المقاصد الخمس الكبرى في الشريعة، فالنفس المحفوظة ليست تلك التي تتجنّب الهلاك الجسدي فقط، بل التي تصان من الانهاك النفسي وفقدان المعنى، لأنه حين يفقد الإنسان صفاءه الذهني تحت وطأة المقارنة المستمرة، فهو في الحقيقة يعتدي على حق نفسه في الطمأنينة التي جعلها الله سكنًا لها.

إن الصورة اليوم لم تعد مجرّد مرآة، بل صارت لغة تُشكّل الوعي وتعيد تعريف القيم والمعايير. والتعامل الرشيد معها يتطلّب تربية بصرية ومقاصدية معًا: أن يرى الإنسان الجمال دون أن يُستعبد له، وأن يستخدم المنصات دون أن تُغيّب وعيه، وأن يعرف أن الزهد في النظر ليس انقطاعًا عن العالم بل تملّكٌ له. فحين تصوم النفس عن الإفراط في الصورة، تعود فترى الأشياء على حقيقتها، وتستعيد قلبها من بين الألوان والأضواء والظلال.

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك