You are here:

الفقد المسكوت عنه في صداقات الكبار

براناف جاين

ترجمة موقع (كالنبتة)

قبل بضعة أسابيع، اتصلت بي صديقة الساعة 1:40 بعد منتصف الليل، لم ترسل رسالة نصية، بل اتصلت. بادئ الأمر تهيأتُ  لسماع مكروه، فقد ارتبط في أذهان معظمنا -نحن البالغين- أن مكالمات آخر الليل لا تحمل إلا كارثة: شخص في المستشفى، أو شخص فُقِد، أو حادث وفاة [لا سمح الله]؛ لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

كانت الصديقة عائدة من عملها في شوارع تكاد تكون خالية، في لندن، حين سمعت أغنية كنا قديمًا نعزفها ونغنيها معًا، فافتقدتني فجأة، واتصلتْ، فضينا نصف الساعة نتحدث عن أشياء قد تبدو -في ذاتها- عادية جدًا ومملة إذا ما رويناها كتابةً: إرهاق العمل، أخبار بوليوود، كم كانت سعيدة بحياتها الزوجية بكل ما فيها، ألم الظَهر الذي يدهمك بمجرد بلوغك سن الثلاثين، وأستاذ جامعي كنا نكرهه يومًا ثم صرنا نحنّ إليه حنيناً غريباً. لا شيء عميق في حديثنا.

ومع ذلك، بقيت مستيقظًا مدة -بعد انتهاء المكالمة- وأنا أشعر بوجع غريب وكأني واجهت نفسي لحظةً على حال كنت عليهاً سابقاً، لا عندما كنت أصغرَ بالضرورة، ولكن عندما كنت أقربَ وصلاً.

كان هناك زمن لم تكن الصداقة فيه تحتاج إلى تخطيط مُحكم، كنا نتحدث ساعاتٍ دون أن ننشغل بمواعيدنا، أمسيات كاملة تمضي ونحن على شرفات السكن الجامعي، وفي المقاهي، أو نزهات مشي طويلة بلا سبب، في تلك السنوات، كانت الصداقات تزدهر بفضل وفرة الوقت؛ وقتٌ عفوي، وغير منظم، ومهدور هدراً جميلاً.

لكن في مكان ما بين عبارة “علينا أن نلتقي قريبًا” و”آسف، لقد صارت الحياة مُلهية”، أصبحت صداقة البالغين واحدة من أكثر خسائر الحياة الحديثة عمقًا وأقلّها ذكراً.

المأتم الخفي

للانفصال العاطفي بنية كاملة تحيط به: أفلام، أغانٍ، قصائد، طقوس، تعاطف، ونصائح لا تنتهي، ثمّة عالم كامل مكرّس لمساعدة الناس على تجاوز الخسارة الرومانسية.

أما الحزن على فقدان الصداقة، فيبقى خفيًا على نحو غريب، لا ينبئك أحدٌ كم مؤلمٌاً أن تفقد على مهل وَصْلَك بشخص خَبُر يوماً خفايا حياتك الشخصية، فهِمَ الصمت الذي يسبق كلماتك، وكان يمكنه أن يعرف حالتك المزاجية من الطريقة التي قلت بها “لا بأس”، شخص خَبُر تفاصيل ما كان يعجبك، ومخاوفك الصغيرة، وهشاشتك التي كنت تخفيها عن الجميع.

وعلى عكس العلاقات العاطفية، لا تنتهي الصداقات عادةً نهاية درامية؛ لا محادثة أخيرة، ولا قطيعة واضحة، ولا خاتمة سينمائية حاسمة، معظم الصداقات تتآكل ببطء، بفعل تراكمات صغيرة لا يلاحظها أحد: مكالمات مؤجلة، وظائف مرهقة، مسافات جغرافية، إنهاك نفسي، اختلاف مواعيد النوم، وتبدّل الأولويات، بينما تمضي حياة كل شخص بوتيرة مختلفة، ثم يأتي يوم تدرك فيه أن الشخص الذي كان يعرف أفكارك كاملة، لم يعد يعرف عنك سوى ما تنشره عرضًا في قصص إنستغرام.

ولأن “شيئًا لم يحدث” فعليًا، فإننا غالبًا نحرم أنفسنا حتى من حق الحزن.

لم نُخلق لنعيش حياةً كهذه

جزء من المشكلة بنيوي، لا شخصي؛ فقد استمرت صداقات المدرسة والجامعة لأن المؤسسات كانت تقوم بجُلّ المهمة نيابةً عنا؛ القرب اليومي خلق الألفة، والتكرار صنع الحميمية؛ كنا نرى بعضنا باستمرار دون أي جهد يُذكر.

لطالما رأى علماء الاجتماع أن العلاقات الإنسانية لا تستمر بفضل قوتها بقدر ما تستمر بفضل انتظامها، فمقابلة الأشخاص أنفسهم مرارًا وتكرارًا -وحده-يبني القرب بمرور الوقت. تعطيك الحياة هذا تلقائياً في مرحلة الشباب، أما في مرحلة النضج فتهدمه طبيعة الحياة تماماً، وخصوصًا في المدن.

يعيش الشباب العامل -اليوم- في أنظمة تستنزف الصداقة بهدوء، بينما تبدو وكأنها تحتفي بالتواصل. يستهلك العمل الطاقة الشعورية، وتُباعد المدن المسافات بلا هوادة، وتتحول عطلات نهاية الأسبوع إلى فترتعافٍ لا أوقات لقاءات اجتماعية، ويحوّل الطموح الجميع إلى مديري مشاريع لحياتهم، وحتى الراحة نفسها صارت مرتبطة بالإنتاجية.

وبذلك تبدأ الصداقة -وهي العلاقة الوحيدة التي تكاد تكون مبنية كلها على الحضور الطوعي- بالتصدع والتلاشي.

تكمن المأساة في أن هذه الوحدة تكون غالبًا في ظل تفاعل رقمي دائم، ربما كنا أول جيل يمتلك وصولًا مستمرًا إلى بعضه بعضاً، وفي الوقت نفسه، يصبح فيه الجميع بعيدين عاطفيًا. نحن نعرف تفاصيل سطحية عن حياة أصدقائنا دون أن نشارك فعليًا فيها؛ أعرف ماذا يأكل أصدقائي، وأي المقاهي يرتادون، وما الذي يشتكون منه، أعرف أنهم حصلوا على ترقية لأن لينكدإن أخبرني بذلك قبل أن يخبروني، ومع ذلك، أحيانًا أتردد قبل الاتصال، لأنني لم أعد أعرف ظروفهم الشعورية.

شخصياتنا التي شُذَّبت

تجازي الحياة الحديثة الإنسان في عمر نضجه على اكتفائه الذاتي، فالجميع متعبون، الجميع “يعملون على أنفسهم”، والجميع “يمرّون بالكثير من الظروف”.

قبل فترة، التقيت أحد أقرب أصدقائي بعد غياب يقرب من عامين، كنا قد تغيرنا على نحو يَعسر عليّ وصفه.

أصبح أكثر ايجازاً ودقة في حديثه، وكأن الحياة المهنية أعادت تشكيل أفكاره على هيئة نقاط سريعة. أما أنا، فقد أصبحت أشعر بتعب دائم حتى لم يعد التعب عارضاً يناسب أن أشتكى منه!

أول ثلث ساعة، ساد حديث غير مريح عن أخبار الكبار المعتادة: العمل، الأهل، الصحة، وعن معارف مشتركين الذين صاروا يرتبطون في علاقات بوتيرة مخيفة، ثم فجأة، ضحك ضحكة مكتملة، عالية، تماماً كما كنا نفعل قديمًا. وفي تلك اللحظة، انهار الزمن لوهلة. ها هو الزمن القديم ذا يعود مجددًا.

أخي الذي ما قاسمني أجرة المواصلات قط، الذي كان يجلس بجانبي في المحاضرات ويرسم خربشات سخيفة على أطراف الدفاتر، الذي عرفني قبل أن يحوّل النضج كِلَينا إلى نسخة مرتبة من سيرته الذاتية الموجزة.

الاقتصاد العاطفي للحياة الحديثة

تشجع الحياة الحديثة على التعامل مع كل شيء بمنطق الكفاءة: كن منتجًا، كن فعّالًا، عالج نفسك، حوّل هواياتك إلى مصدر دخل، واصنع هويتك بعناية.

وفي مكان ما على الطريق، بدأت الصداقات أيضًا تتشرب لغة الإدارة، أصبحنا نتحدث عن “الطاقة العاطفية” كما لو كانت باقات بيانات. وحتى المودة نفسها أصبحت أحيانًا خاضعة لتحليل خفي للتكلفة والفائدة: من يبادر بالرسائل أولًا؟ من يبذل جهدًا أكبر؟ من يبذل عاطفيًا؟ ومن يستنزف الطاقة؟

لكن الصداقة الحقيقية قامت دائمًا على نوع من الكرم غير العقلاني؛ على الاستعداد لإهدار الوقت معًا هدراً جميلاً، وعلى الاستماع إلى المخاوف ذاتها للمرة الخامسة، وعلى مشاركة الصمت، وعلى أن نكون حاضرين، بلا حسابات.

وربما لهذا تبدو صداقة البالغين اليوم فعلًا مقاومًا بحد ذاته؛ فهي تقاوم المنطق التبادلي الذي تكافئه الحياة الحديثة في كل مكان، لأن الصديق الحقيقي يمنح شيئًا نادرًا جدًا: حضورًا صادقًا بلا حسابات.

فالعائلة تربطها صلة الدم، والزواج تنظمه المؤسسة، وعلاقات العمل تحكمها المنفعة، أما الصداقة فلا يبقيها حيّة سوى اختيار متبادل ومتجدد. لا أحد مجبر على البقاء، ومع ذلك يبقى بعض الناس معاً.

ورغم الجداول المزدحمة والإرهاق الشعوري، يواصل بعض الأصدقاء العودة إليك، يرسلون الصور المضحكة أثناء الاجتماعات، ويتذكرون مواعيدك المهمة، ويتصلون بك فجأة دون مناسبة، ليس لأن ذلك مريح أو عملي، بل لأنهم – رغم كل ما تفرضه الحياة من إنهاك – ما زالوا يعتبرون حياتك الشخصية أمرًا جدير بالاهتمام.

وقد يكمن الأمر كله في ذلك القرار العنيد: إصرارك على معاودة صلتك بالناس، رغم أن العالم يعلمك كل يوم أن تجعل الأولوية لأمور غير الصلة بالناس.

المصدر

timesofindia.indiatimes.com/blogs/civil-irony/the-quiet-grief-of-adult-friendship


تعليق الموقع: 

** ترجمنا هذا النص لموضوعه وجمالياته مع تحفظٍ على مسألة (الصداقة بين الجنسين).

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك